الشهادة لا تصنع مثقفًا

ليس كل صاحب شهادة مثقفًا، كما أن غياب الشهادة لا يعني غياب الثقافة. فالشهادة تثبت أن صاحبها تلقّى تكوينًا في تخصص معين، وأتقن قدرًا من معارفه ومهاراته، لكنها لا تمنحه تلقائيًا وعيًا نقديًا، ولا تفتح له بالضرورة أبواب الفكر، ولا تجعله قادرًا على فهم الإنسان والمجتمع والحياة.

إن الثقافة أوسع من أن تُختزل في وثيقة، وأعمق من أن تُقاس بعدد سنوات الدراسة. فقد يكون الإنسان طبيبًا أو مهندسًا أو أستاذًا جامعيًا، لكنه لا يقرأ إلا في حدود تخصصه، ولا يهتم بما يجري حوله، ولا يحاول أن يفهم مشكلات مجتمعه أو يفكر في مستقبله. وفي المقابل، قد تجد بين عامة الناس من هو أوسع قراءة، وأعمق فهمًا، وأكثر قدرة على طرح الأسئلة ومناقشة القضايا التي تشغل الإنسان.

وليس المقصود من هذا التقليل من قيمة الشهادات أو أصحابها؛ فالعلم المتخصص ضرورة، والمهن العلمية والأكاديمية ركيزة من ركائز تقدم المجتمعات. لكن الخطأ يبدأ حين نخلط بين التخصص والثقافة، وبين المعرفة والوعي، وبين المكانة الوظيفية والقيمة الفكرية.

لقد عرف تاريخ الأدب والفكر أسماءً تركت أثرًا كبيرًا في الثقافة العربية والعالمية، ولم تكن شهرتها قائمة على الشهادات الأكاديمية، بل على ما امتلكته من موهبة، وقراءة، وتجربة، وقدرة على إنتاج المعرفة والتعبير عنها. ومن أمثلة ذلك والكاتب( عباس محمود العقاد ) الكاتب والشاعر والرسام ، (جبران خليل جبران ) وووو الخ، وليس ذكر هذه الأسماء دعوةً إلى إهمال التعليم، بل تذكيرًا بأن الثقافة لا تُمنح جاهزةً مع الشهادة، وإنما تُبنى بالقراءة والتأمل والتجربة.

فالمثقف الحقيقي ليس من يعرف كثيرًا فحسب، بل من يحوّل معرفته إلى وعي، ووعيه إلى موقف، وموقفه إلى أثر. هو الذي يسأل حين يصمت الآخرون، ويناقش حين يكتفي غيره بالترديد، وينتقد الخطأ ولو صدر عن جهة نافذة، ويشعر بأن مسؤوليته لا تنتهي عند حدود مهنته، بل تمتد إلى الإنسان والمجتمع.

ولعل أكثر ما يثير السخرية أن يتحول بعض أصحاب الشهادات إلى موظفين مطيعين، ثم إلى متملقين يصفقون للمسؤول ويبررون أخطاءه، وكأن ما يحملونه من علم قد عجز عن أن يمنحهم استقلالًا في الرأي أو شجاعةً في الموقف. فما قيمة المعرفة إذا لم تحرر صاحبها من الخوف؟ وما قيمة الثقافة إذا لم تمنحه القدرة على التفكير خارج ما يُملى عليه؟

إن الثقافة ليست ترفًا، ولا زينةً اجتماعية، ولا لقبًا يُضاف إلى الاسم. إنها مسؤولية أخلاقية وفكرية، تبدأ من سؤال الإنسان عن نفسه، وتمتد إلى سؤاله عن العالم الذي يعيش فيه. وهي لا تعني أن يكون المثقف موسوعيًا يعرف كل شيء، بل أن يكون قارئًا متجددًا، وعقلًا منفتحًا، وضميرًا يقظًا، وموقفًا مستقلًا.

ولذلك، فإن المجتمع لا يحتاج إلى أصحاب الشهادات وحدهم، ولا إلى المثقفين الذين يكتفون بالكلام، بل يحتاج إلى إنسان يجمع بين العلم والوعي، وبين التخصص والمسؤولية، وبين المعرفة والقدرة على التأثير.

الشهادة تصنع متخصصًا، أما الثقافة فتصنع عقلًا يفكر وينتقد ويؤثر. وما أكثر المتخصصين عندنا، وما أقل المثقفين!

فليس السؤال: كم شهادة تحمل؟

بل السؤال الأهم: ماذا قرأت؟ ماذا فهمت؟ ماذا أضفت؟ وماذا غيّرت في الإنسان من حولك؟

يونس عبد الحفيظ

رفعت للتصميم