
الصدق.. آخر العملات الرابحة
في زمن صار فيه الكذب مهارة، والتلميع صنعة، والتجمل حرفة، يبدو الصادق غريباً. غريباً لأنه لا يجيد المراوغة، ولأنه لا يبيع الكلام بالكيلو، ولأنه يمشي مكشوفاً في عالم كله أقنعة.
كان الصدق فيما مضى تاجاً. كان الرجل يُعرف بصدقه قبل أن يُعرف باسمه. إذا قالوا فلان صادق انتهى الكلام. لم تكن تحتاج إلى ضمانات ولا عقود ولا شهود. الكلمة كانت عقداً، والنظرة كانت عهداً. اليوم صار الصادق “ساذجاً” في نظر البعض، وصار الذي يلف ويدور “شاطراً”، وصار الذي يبيع الوهم “ناجحاً”.
لكن تعال نسأل : ماذا تبقى بعد كل هذا النجاح؟
يبقى بيت من زجاج. يلمع من الخارج، وفارغ من الداخل. تبقى علاقة بلا ثقة، وصحافة بلا مصداقية، ووطن بلا ظهر. الكذب قد يكسب جولة، لكنه يخسر الحرب دائماً. لأنه يأكل صاحبه من الداخل قبل أن يأكله الناس.
الصدق ليس ضعفاً. الصدق شجاعة. أن تقول الحقيقة وأنت تعرف ثمنها، أن تعترف بالخطأ وأنت في موقع قوة، أن تواجه نفسك في المرآة ولا تهرب. هذه هي الرجولة الحقيقية. أما اللف والدوران فهو جبن يلبس ثوب الذكاء.
نحتاج الصدق في كل شيء. نحتاجه في الإعلام، فنقول للناس ما هو كائن لا ما نتمنى أن يكون. نحتاجه في السياسة، فنعترف بالأزمة قبل أن نغرق فيها. نحتاجه في البيت، فنربي أبناءنا على أن الخطأ الذي يُعترف به أهون من الكذبة التي تُغطيه. نحتاجه مع أنفسنا، فنكف عن خداع الذات.
الصدق مكلف؟ نعم. لكن الكذب أغلى. الكذب يكلفك احترامك لنفسك، ويكلفك ثقة الناس، ويكلفك وطناً بأكمله حين تتراكم الأكاذيب الصغيرة حتى تصبح كارثة كبيرة.
ولذلك، في هذا الزمن الصاخب، صار الصادق عملة نادرة. والعملة النادرة قيمتها ترتفع كل يوم. لا تغرك كثرة المصفقين للكاذب. صفقاتهم تنتهي، ويبقى الصادق واقفاً. لا يملك الكثير، لكنه يملك نفسه.
الكرامة كانت خطاً أحمر. والصامتون كانوا السند. واليوم نقول: الصدق هو الأساس. إذا انهار الأساس، انهار كل ما فوقه مهما كان جميلاً.
فلنعد إلى الصدق. لا لأنه فضيلة فقط، بل لأنه ضرورة. ضرورة للبقاء. ضرورة لنصدق أنفسنا قبل أن نطالب العالم بتصديقنا.
في النهاية لن يتذكرك أحد لأنك كنت الأذكى في المراوغة. سيتذكرونك لأنك كنت الوحيد الذي قال: “هذا هو الحق”.
بقلم طارق عبدالرحمن محمد ود الفكي
رفعت للتصميم













