أجنبيٌّ يُحنِّطُ تراثَهُ في الهواء

أجنبيٌّ يُحنِّطُ تراثَهُ في الهواء

(1)

 

إنّه وَاهِنٌ الآن،

بالكاد تحاول يدُ السّماء

أن تمسكَ بشيءٍ منه.

كلَّما نظرَ صوبَ ذلك الزّمنِ

الّذي غدا كهلًا وندًّا للأطفال والأحلام،

قال: ما هو نوعُ التّحيّةِ

الّتي يمكن أن يُلقيها الثّائرُ القديمُ على ثورتِهِ؟

هل يقول: السّلامُ عليكِ،

أيّتُها الثّورة،

أيّتُها الإشراقةُ الملفوفةُ

بغبار الشّهود الميّتين؟

لكنَّ السّلامَ يريد فمًا

يردُّ عليه السّلام.

يقول في نفسه: لا تنصتْ.

حتّى وإن كان مردُّ تحيّتِكَ كلمةَ “مجنون”،

تهمس بها المرأةُ المرحةُ

وهي تلبط الآن في بطن الثّورة.

 

هذا هو الصّوتُ الأخضر

في اللّوحة المرميّة في غرفةٍ غريبة،

يقطنها رجلٌ غريبٌ

كان ثائرًا غريبًا،

لكنّه فجأةً رأى نفسَه

في حشدٍ من ثائرين غرباء،

يفكّرون بنوع التّحيّةِ

الّتي سيلقونها على ثورتهم

بعد أن يصبح زمنُهم كهلًا

وندًّا للأطفال والأحلام.

(2)

إنّه يحاول أن يعيدَ التّفكيرَ في فكرتِه،

يعيد لها سلامَ أرضِها ومائها.

 

أن يقسّم حياتَه إلى أغنيتين ناضجتين

مقطوعتين من موسيقى الغياب،

على مهلٍ

يأخذ الأغنيةَ الواحدةَ

يقسّمها إلى رنينين مختلفين:

منطفئٍ ومخطئٍ،

يأخذ الأغنيةَ الثّانيةَ

يقسّمها إلى عملتين معدنيّتين،

لهما قوميّتان مختلفتان

وعقيدتان مختلفتان.

ثمّ يقول،

وهو يرمي ضوءَ روحهِ

من حبلِ العالم

إلى فم النّهاية العميق:

يا لهذا العدم،

كَمِ التَهمَ من المادّةِ والأشياء

حتّى صار شيئًا،

له اسمٌ،

وله جسدٌ

أدمنَ الطّعامَ والشّراب.

(3)

من عينٍ في الأرض المرتفعة،

حيث ينبع العراك

وتولد الصّرخاتُ تحت العشبِ الحارّ،

حيث كلُّ سمكةٍ تريدُ الماءَ كلّهُ

حيث تخرج الأحلامُ مشوّهةً

تتلاطم.

ثمّةَ فصولٌ حادّةٌ

تكنس، على مدار الوقت،

الرّحمةَ والأكسجين.

سنواتٌ طوالٌ

لها رأسٌ يدلّكهُ الخوفُ حيناً،

ويصَفِّرُ الكبرياءُ حول رقبته حيناً.

نزل من هناك،

يتدحرجُ مع كلماتِهِ

وفراشاتِ الدّهشة،

يتدحرجُ أكثر،

ويرتفعُ قلبُهُ

في الهواءِ المطبوخِ بالسّحبِ والملوحة.

بين الممرّاتِ العميقةِ

المسقّفةِ بالرّخام والشّعارات.

 

كان يمضي

ويحني رأسَه للعواطف،

ومتاحف الأقمشة،

ليرى الضّحكَ

الّذي يخرجُ من الأصابع،

ورداتِ النّدمِ العشوائيّ

في عيون السّكارى،

التّراثَ النّائم في العربات،

وهي تجرُّ الزّمن

بثومهِ وبصلهِ ونبيذه،

بين الحاراتِ والرّوايات

واليتامى المغرمين بالأمل والخبز.

استغرق في الشّوارع والمعابد،

في الحاناتِ والكتب،

في التّعبِ والمهرجانات،

وها هو ينظر إلى حياتِهِ

من أرضٍ مرتفعة

ينبع منها العراك.

(4)

لا الطّعناتُ الحارّةُ

الًتي سدّدتها إلى خاصرة غربتهِ

وردةُ الشّعر “المحترمة”،

لا وابلُ المناقير

وهي تطحن بصيصَه

بغنائها الأسود،

ولا العهودُ

الّتي أراق دمَها

أمام دهشتِهِ

فمُ الحنان الرّطب،

ولا سريرُ الأحلامِ الضّيّقِ

الّذي نزل من عليائه،

وهو ينزف سنينَ رغبتِهِ

كلَّها،

بيضاءَ غيرَ منقوصة،

ولا العينُ الجامحةُ

الّتي أشاعتْه في الدّكاكين

بلا ضمير،

استطاعت أن تُحيي

نسيانَه الميّت.

لقد ظلَّ هنا،

يقضي اللّيل كلَّ يوم

ليحنِّطَ هواءً

يتنفَّسُ من بيتِ أهلِهِ.

 

 

ماجد موجد

من ديوان “يصير حجراً يصير هواء”

رفعت للتصميم