الجنوب والشّيطان

الجنوب والشّيطان

 

حَذَارِ… حَذَارِ… أَيُّهَا الشَّيْطَانُ الأَرْعَنُ!

هُنَا أَطْفَالٌ… وَمَلْعَبٌ، هُنَا مَدْرَسَةٌ… وَمَسْرَحٌ، هُنَا كَنِيسَةٌ… هُنَا جَامِعٌ، هُنَا شَيْخٌ… وَسُبْحَةٌ… وَمَعْبَدٌ.

هُنَا رَفْشٌ… وَمِعْوَلٌ… وَمَقْلَعٌ، هُنَا صَاجٌ… وَإِبْرِيقٌ، هُنَا نِسْوَةٌ… وَمَسَاكِينُ تَقْبَعُ.

لَكِنَّ الشَّيْطَانَ أَصَمُّ… لَا يَسْمَعُ!

لِشَرَابِ الدَّمِ يَظْمَأُ، وَالْقَتْلُ وَالدَّمَارُ هِوَايَتُهُ، وَبِهَا يَشْرَعُ… وَالْحَرْبُ شَرِيعَتُهُ، وَغَيْرَهَا لَا يَتَّبِعُ.

وَالْتَفَّتْ خَاصِرَةُ قَرْيَتِي بِزُنَّارٍ مِنَ اللَّهَبِ وَالنَّارِ، وَقُتِلَ الصَّبَاحُ… وَحَلَّ بِنَا الظَّلَامُ.

تَسَاقَطَتِ التِّلَالُ، وَتَنَاثَرَتِ الصُّخُورُ، وَعَزَفَتِ السُّهُولُ لَحْنَ الْمَوْتِ الْمَهُولِ.

وَكَانَ الضَّبَابُ كَالسُّيُولِ، وَرَائِحَةُ النّار خَنَقَتِ الدِّيَارَ، وَالْفَجْرُ ذُبِحَ مِنَ الْوَرِيدِ.

بَرَاكِينُ أَرْخَتْ حُمَمَهَا فَوْقَ قَرْيَةِ الْيَاسَمِينِ، فَأَحْرَقَتْ حُقُولَ الْقَمْحِ وَالتِّينِ، وَتَفَحَّمَتْ بَسَاتِينُ الشَّمْسِ، وَأَصْبَحَتْ رَمَادًا مَنْثُورًا.

وَكُرُومُ الْعِنَبِ صَارَتْ عَنَاقِيدَ حِقْدٍ وَغَضَبٍ، حَتَّى الزَّيْتُونُ وَالتِّينُ لَمْ تَسْلَمْ مِنْ حِقْدِهِ اللَّئِيمِ.

وَبَقَايَا الْقَرْمِيدِ الْأَحْمَرِ اخْتَلَطَتْ بِالشَّعْرِ الْأَسْمَرِ، وَقِطَعُ اللَّحْمِ الْمُفَحَّمِ، وَشَلَّالُ دَمٍ تَفَجَّرَ…

تُرَابٌ… وَدِمَاءٌ… وَأَشْلَاءٌ… وَطِينٌ، وَأَلْعَابٌ مَكْسُورَةٌ، وَسِوَارٌ… وَعِقْدٌ، وَكُرَةٌ مُشَظَّاةٌ، وَكُتُبٌ تَنْزِفُ، وَوُرُودٌ تُذْبَحُ.

قُتِلَتِ الْبَلَابِلُ وَالْحَسَاسِينُ، وَخُنِقَتِ الْعَرَائِشُ وَالْبَسَاتِينُ، وَالْبُيُوتُ الْمُعَلَّقَةُ فِي السَّمَاءِ تَهَاوَتْ مِنَ الْعَلْيَاءِ، وَاسْتَوَتْ بِالأَرْضِ.

وَغَرَزَ الشَّيْطَانُ أَنْيَابَهُ فِي لُحُومِ الأَطْفَالِ، وَالْعَجَائِزِ، وَالْمَسَاكِينِ…

مَجَازِرُ دَمَوِيَّةٌ، بَرْبَرِيَّةٌ… وَحْشِيَّةٌ!

وَانْهَارَتِ الْبُيُوتُ، وَاسْتَوَتْ عَلَى التُّرَابِ، وَصَمَتَ الأَحْبَابُ…

تَجَعَّدَ خَدُّ السَّمَاءِ، وَهَوَتِ الْغَيْمَاتُ مِنَ الْعَلْيَاءِ، وَغَارَتِ الشَّمْسُ، وَزُلْزِلَتِ الأَرْضُ، وَانْدَثَرَ الْحَجَرُ، وَقُتِلَ الْبَشَرُ.

حَتَّى الشَّجَرُ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ جَبَلِ النَّارِ، كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَامَتْ بِقَرْيَةِ الْغَارِ.

وَتَاهَ الزَّمَانُ… مِنَ الزَّمَانِ، وَالْوَقْتُ ضَيَّعَ نَفْسَهُ حَتَّى حَدِّ النِّسْيَانِ…

مَا أَقْبَحَ الْحَرْبَ! وَمَا أَبْشَعَ الشَّيْطَانَ!

 

ويبقى الجنوب صامدًا رغم العدوان

مروه جهمي بيرم

رفعت للتصميم