
حين تصبح الصلاة على النبي ﷺ وطنًا للروح
بقلم نوال إدريس أبخاطره
في هذه الأيام المباركة، حيث يستحضر القلبُ ذكرى مولد المصطفى ﷺ، تتسع في الروح مساحةٌ لا تشبه سواها؛ مساحةٌ من المحبة والحنين والسكينة، كأن الذاكرة تستعيد شيئًا عزيزًا تربّينا عليه قبل أن نُدرك معانيه، وكأن القلب يعود إلى أول الطريق… إلى البيت.
لم أعرف النبي عليه الصلاة والسلام بوصفه نبيًا مرسلًا للعالمين فحسب، ولا بوصفه خاتم الأنبياء والمرسلين، ولا بوصفه من جاء بالرسالة التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور؛ بل عرفته منذ طفولتي من خلال الحب.
نشأتُ في بيتٍ كان والدي فيه يحبّبنا في الصلاة على النبي ﷺ، ويجعلها جزءًا من يومنا، من صباحنا ومساءنا، ومن لحظاتنا العادية والاستثنائية. كانت الصلاة على النبي ﷺ حاضرةً في البيت كما يحضر النور.
ووالدي، حفظه الله وأطال في عمره، ما زال إلى اليوم يذكرني بالصلاة على النبي ﷺ، وكأن ما غرسه فينا منذ الطفولة ظلّ يكبر معنا، حتى أصبحت هذه المحبة جزءًا أصيلًا من وجداننا.
مرّت السنوات، وتبدّلت أشياء كثيرة حولي وداخلي، لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا لا أستطيع التخلّي عنه: الصلاة على أشرف الأنبياءوالمرسلين.
في مرضي كانت بلسمًا، وفي فرحي نورًا، وفي حزني جبرًا. أشعر أنها تمنح الطمأنينة، وتعيد إلى الروح شيئًا من توازنها كلما أثقلتها الأيام.
حتى أصبحت الصلاة على النبي ﷺ رابطًا جميلًا بيننا في البيت؛ وكأن بيننا منافسةَ محبةٍ لا خصومة فيها: من صلى أكثر؟ من سبق إلى الصلاة عليه؟ من استشعر معناها أكثر؟ وكأننا جميعًا نتنافس على شيء واحد… المحبة.
وكثيرًا ما ننصح من حولنا بأن يجعلوا الصلاة على النبي ﷺ رفيقةً لهم في أيامهم؛ في العمل، وفي الطريق، وفي أوقات الضيق، وفي لحظات الانتظار، وفي تفاصيل الحياة الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد.
وكان هذا الشعور يرافقني دائمًا، حتى جاءت هذه الأيام المباركة، أيام استحضار مولد النبي ﷺ، فإذا بي أجد شيئًا جديدًا يتشكل في داخلي.
سمعتُ مدحًا جميلًا للنبي ﷺ.. كانت الكلمات عذبة، والصوت آسرًا، وطريقة الإلقاء ساحرة، وكأن كل شيء اجتمع في لحظة واحدة ليصنع مشهدًا من الجمال.
وكان أجمل ما في الأمر أنني سمعتُ هذا المديح من خلال صوتٍ وصلني من بعيد، عبر الأثير، يحمل معه شيئًا من روح موريتانيا.
عبد الله الموريتاني، رجلٌ لم أكن أعرفه من قبل، ولم ألتقِ به، ولم أسمع صوته في لقاء، وإنما رأيته عبر الأثير في ذلك الحفل، حين صدح من هاتفه بمديح للنبي ﷺ أمام جموعٍ كبيرة جاءت من دولٍ مختلفة.
كانت المناسبة حافلة بالفعاليات والفقرات المتنوعة، وجاءت مشاركته بالمديح لتضيف إلى المشهد لحظةً مختلفة؛ يحضر فيها اسم النبي ﷺ، فتفتح الكلمات نافذةً من المحبة والذكر، وتستعيد القلوب شيئًا من السيرة العطرة.
ورغم المسافة، وصل المديح عبر الأثير واستقر في مكانٍ عميق من قلبي.
وهنا توقفت… وتساءلت:
هل أعجبتني القصيدة لجمال كلماتها؟ أم لأن الصوت الذي حملها كان ينبض بإحساس خاص؟ أم لأن طريقة إلقائها منحت الكلمات حياةً أخرى؟ أم أن الجمال كله كان في الصلاة على النبي ﷺ نفسها؟ أم أن هذه الكلمات جاءت في وقتها تمامًا، في أيام نستحضر فيها مولد المصطفى ﷺ، فلامست في داخلي شيئًا لم أكن أعرف أنه ينتظر أن يُوقَظ؟
لا أدري أيَّ هذه الأشياء كان له النصيب الأكبر.
لكنني، وأنا أستمع إلى ذلك المديح، شعرتُ وكأنني لأول مرة أتذوّق الصلاة على النبي ﷺ بهذا العمق. وكأن الكلمات التي رددتُها آلاف المرات أخذت في تلك اللحظة معنى آخر.
حفظتُ خلال حياتي صيغًا كثيرة للصلاة والسلام على النبي ﷺ، ومع ذلك شعرت أن ذلك المديح كان في حلاوته ولذّته قريبًا من ذلك الشعور الروحي الذي أعرفه حين أردد الصلاة الفاتحية؛ لا من حيث الصيغة، وإنما من حيث الأثر الذي تركه في نفسي، وكأن كلمات المديح فتحت لي بابًا جديدًا من أبواب المحبة، وأعادتني إلى إحساسٍ أعرفه منذ سنوات.
فالمناسبات الروحية لا تأتي دائمًا لتضيف إلى ما نعرفه؛ أحيانًا تأتي لتوقظ فينا ما كان موجودًا، لكنه نام طويلًا.
وهكذا وجدتني أمام الصلاة على النبي ﷺ من جديد… لا كعادة، وإنما كمساحة من المحبة، ونافذة من السكينة، وذاكرة تعيدني إلى البيت الأول؛ إلى أبي، إلى طفولتي، إلى تلك الأيام التي كان فيها صوت الصلاة على النبي ﷺ يملأ المكان، ويملأ قلوبنا معه.
وربما لهذا أشعر اليوم أن الصلاة على النبي ﷺ ليست مجرد كلمات نرددها، وإنما وطنٌ صغير تعود إليه الروح كلما أرهقتها المسافات.
وطنٌ لا يحتاج إلى طريق، ولا إلى موعد، ولا إلى مكان…
يكفي أن ينطق به القلب، فتشعر الروح أنها عادت إلى بيتها.
رفعت للتصميم













