
فارسُ الإصلاح… جمالُ عليُّ الطَّميزي
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
في بعض القرى رجالٌ لا تُقاس قيمتهم بما يملكون، بل بما يتركون في قلوب الناس من أثرٍ طيب، وبما يغرسونه في الأرض من خير، وفي النفوس من محبة، وفي المجتمع من أمنٍ ووئام. وإذا ذُكر الإصلاح، وحُسن السيرة، ونبل المواقف، كان اسم الحاج جمال علي الطميزي يتقدَّم الصفوف، كأنَّه عنوانٌ لمرحلةٍ كاملةٍ من العطاء.
نشأ الحاج جمال فارساً قبل أن يمتطي جواداً ، فقد كان قلبُه ميداناً للشجاعة. ، ولسانه سيفاً للحق ، وعقلُه منارةً تنير قلوب المتعثرين ، ونشأ في بيتٍ عرف الكرم والشهامة، وتشرب منذ نعومة أظفاره حب الأرض والناس، حتى غدت هذه القيم جزءًا من تكوينه الإنساني. كان يرى أن الإنسان لا يُخلِّده المال ولا المنصب، وإنما يخلِّده ما يقدمه من خيرٍ للناس، ولذلك جعل حياته وقفًا على خدمتهم، مؤمنًا بأن إصلاح القلوب أعظم من تشييد القصور.
كبر الفتى، وكبرت معه مكانته بين أبناء بلدته، فلم يكن صوته يعلو إلا بالحق، ولم تكن كلمته تُقال إلا صدقًا. وإذا وعد وفى، وإذا شهد أنصف، وإذا حكم عدل، لا تأخذه في الحق لومة لائم. وكان حضوره يبعث الهيبة في النفوس، لا خوفًا منه، بل احترامًا لشخصه، وثقةً بحكمته، وإيمانًا بعدالته.
ولم يكن الكرم عنده عادةً اجتماعية، بل رسالة حياة. كان صديقًا للفقراء، وسندًا للأرامل، وعونًا للأيتام، وملاذًا لكل محتاج. فما كاد يسمع عن بيتٍ متعفف أو عائلةٍ ضاقت بها السبل، إلا وكانت يده تمتد بالعطاء قبل أن تمتد الأيدي بالسؤال. وكان كثيرًا ما يحرص أن تصل المساعدة في صمت، حفاظًا على كرامة أصحابها، حتى صار الناس يقولون: إن خير الحاج جمال يسبق اسمه، ويصل قبل أن يُطلب منه.
ومع مرور السنين، أصبح ديوانه مدرسةً في الإصلاح، ومنزله مقصدًا لكل من أثقلته الخصومات، أو أنهكته الخلافات العائلية والمالية. كان يجلس إلى المتخاصمين بقلب الأب، وعقل الحكيم، ولسان الناصح، فيستمع إلى الجميع بصبر، ثم يطفئ نار الغضب بكلمةٍ طيبة، ويجمع القلوب بعد فرقتها، حتى نجح في حل مئات القضايا الشائكة، وحقن دماء عائلاتٍ كثيرة، وأعاد الحقوق إلى أصحابها، ورسَّخ قيم العفو والتسامح، مؤمنًا بأن المجتمع الذي يتسامح هو المجتمع الذي يبقى.
ولم يكن عطاؤه محصورًا في الإصلاح الاجتماعي، بل امتد إلى ميادين التعليم والعمل الخيري. فقد آمن أن بناء الإنسان يبدأ من المدرسة، وأن الاستثمار الحقيقي هو في العقول، فقاد مبادراتٍ رائدة لدعم التعليم، وأسهم في بناء المدارس وتطويرها، وفتح أبواب العلم أمام أجيالٍ كاملة. ولم يكتفِ بذلك، بل تبرع بقطعة أرضٍ من ماله الخاص، وأقام عليها مدرسةً متكاملة، لينقل الطلبة من معاناة الدوام المسائي إلى رحابة التعليم الصباحي، مؤمنًا بأن طالب العلم يستحق أفضل الظروف لينجح ويبدع.
ثم جاءت سنوات العمل البلدي، فحمل الأمانة رئيسًا لبلدته أعوامًا طويلة، فكانت مرحلةً حافلةً بالإنجازات. شهدت البلدة في عهده نهضةً واضحة في البنية التحتية، وتطورًا في الخدمات العامة، وتوسعًا في المشاريع التعليمية والتنموية، فشق الطرق ، ووصل المياه إلى البيوت البعيدة حتى غدت تلك السنوات علامةً مضيئة في تاريخها الحديث.
غير أن طريق الخير لا يخلو من الابتلاء. فقد تعرض الحاج جمال لضغوطٍ ومداهماتٍ من قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي اقتحمت منزله، وعبثت بمحتوياته، واعتقلته، ظنًّا منها أن القيود تُطفئ عزيمة الرجال. لكنه خرج أكثر ثباتًا وإصرارًا، ولم يزدْه الابتلاء إلا تعلقًا برسالته الإنسانية، وإيمانًا بأن خدمة الناس عبادةٌ لا توقفها السجون ولا تُعطلها المحن.
وحين غادر المنصب الرسمي، ظن بعض الناس أن رحلة العطاء قد انتهت، لكنها في الحقيقة كانت تبدأ من جديد. فقد تحرر من أعباء الإدارة، وتفرغ لما هو أعمق أثرًا، فازداد حضوره في ميادين الإصلاح والقضاء العشائري والعمل الخيري، حتى أصبح أحد أبرز عناوين الإصلاح في فلسطين، ومرجعًا يلجأ إليه الوجهاء والعائلات عند اشتداد الأزمات. وإذا ما تعقدت الأمور كان يبادر بدفع الديات من جيبه الخاص ليحقن الدماء ، ويعيد الهدوء إلى القلوب المضربة .
ثم جاء ذلك اليوم الذي بدا عاديًا في ظاهره، لكنه كان يحمل بين ساعاته خاتمة حياةٍ حافلة بالخير. كانت البلدة تعيش فرحة إعلان نتائج الثانوية العامة، وازدانت الوجوه بابتسامات النجاح، واجتمع الأهالي في حفل تكريم أوائل الطلبة. ورغم ما أثقل كاهل الحاج جمال من تعب السنين وكِبَر السن، أصر أن يحضر بنفسه، وأن يصافح أبناءه الطلبة واحدًا واحدًا، ويسلمهم الجوائز بيديه، ويرسم على وجوههم الابتسامة التي طالما أحبها.
كان يوصيهم قائلًا: “كونوا بناة الوطن، واحملوا العلم أمانةً، فإن الأمم لا تنهض إلا بأبنائها.” صفق الجميع لكلماته، ولم يكن أحد يعلم أنها ستكون آخر كلماتٍ يسمعونها منه.
انفض الحفل، وعاد الطلبة إلى بيوتهم يحملون فرحة النجاح، بينما عاد الحاج جمال إلى منزله، وقد أتم رسالته الأخيرة في الدنيا. وفي تلك الليلة، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها . وكأن الله سبحانه وتعالى شاء أن يكون آخر عملٍ يودع به الدنيا هو جبر خواطر طلاب العلم، وغرس الأمل في نفوسهم، ليختتم رحلة عمره بابتسامةٍ رسمها على وجوه الشباب، كما رسمها طوال حياته على وجوه المحتاجين والمظلومين.
وفي صباح اليوم التالي، عمَّ الحزن أرجاء البلدة، وتحول الفرح إلى دموع وفاء. وخرجت جماهير غفيرة في موكبٍ جنائزي مهيب، لم تكن جنازة عادية ، بل كانت ملحمة وطنية وإنسانية ، شاركت فيه شخصيات رسمية، ووجهاء، ورجال إصلاح، وأبناء العشائر، وجموع المواطنين من مختلف المحافظات، يودعون رجلًا لم يكن ملكًا لأسرته أو بلدته فحسب، بل كان قيمةً وطنيةً وإنسانيةً كبيرة.
بكاه الفقراء الذين عرفوا يده البيضاء، وبكاه الصغير والكبير ، وبكاه المتخاصمون الذين جمع بينهم بعد فرقة، وبكاه الطلبة الذين فتح لهم أبواب العلم، وبكاه كل من عرف فيه الصدق والوفاء والشهامة .
وبينما كان الناس يوارون
رفعت للتصميم













