
عبد الرحيم حكمي … عازف الأهداف الذي أوفى للحي المحمدي وغدرته ثقافة الإعتراف
بقلم : عباس الزعيم ” المايسترو ”
في أزقة الحي المحمدي بالدار البيضاء، حيث لا تُقاس كرة القدم بالدقائق، بل بنبض القلوب وصرخات الشغف، وُلدت أسطورة لاعب لم يكن يكتفي بركل الكرة، بل كان يفرغ فيها كبرياء أحياء كافحت دوماً لتثبيت وجودها. عبد الرحيم حكمي، مهاجم لم يتعلّم التهديف في أكاديميات أنيقة، بل صقله الشارع، فصنع منه هدافاً بالفطرة، وقلب هجوم لا يعرف الرحمة أمام المرمى.
كان حكمي في المستطيل الأخضر حكاية من الرعب الكروي لحراس المرمى. يتقن لغة أهداف بأي ثمن وبأي أداة، إن جاءته الكرة عالياً ارتقى لها برأس فولاذية، وإن أتته في الأرض، فلا فرق لديه بين يمينه التي يسدد بها القذائف، ويُسراه التي تحول كل فرصة إلى معزوفة إعدام كروي. لم يكن مجرد مهاجم عادي، بل مقاتلاً يرتدي قميص “الاتحاد البيضاوي” (الطاس) وكأنه درع صليبي يخوض به معارك البقاء والكرامة.
كما تتذكر أزقة الدار البيضاء صيف عام 1989، حين كانت الطاس منهزمة بهدف لصفر أمام شباب المحمدية في مباراة تشبه الملحمة، والجميع يستعد لتأجيل حلم الصعود إلى القسم الوطني الأول. في تلك اللحظات الفاصلة، انبعث حكمي كالعنقاء من وسط الركام، متسلحاً بغضب الحي الشعبي، ليسجل هدفين قلبا الطاولة، وقادا الفريق إلى انتصار تاريخي بـ (3-2)، ليُسطّر بدمه وعرقه صعود النادي إلى مجد الكبار.
حيث لم تكن تلك زلة حظ في مسيرته، ففي عام 1991، وحين خيم كابوس الهبوط للقسم الثاني على مقربة من الطاس في مباراة السد الحارقة ضد النادي المكناسي، أطلّ حكمي مجدداً. ارتدى عباءة المُنقذ، وقفز فوق جراح الفريق ليصنع معجزة أخرى ويُثبّت أقدام الطاس في مكانها العالي.
ورغم أن سيل الإغراءات المادية انهمر عليه من كل حدب وصوب، ورغم العروض التي تسيل لها ألعاب أي نجم، ظل حكمي عصياً على البيع. اختار الوفاء لقميص الطاس وجمهورها، مفضلاً حب الناس وحرارة مدرجات الحي المحمدي على أموال البهرجة. ولم يكن ذاك الوفاء غريباً على رجل يستمد قوته من بر والدته؛ فهو “مرضي الأم” الذي لم تبركته ودعواتها تخطئه يوماً، وظل يحمل رضاها كأغلى وسام على صدره.
و لكن المفارقة المحزنة في قصة هذا الهداف الاستثنائي، هي أن شمس التكريم والاعتراف لم تُشرق عليه من قلعته الأم التي أفنى شبابه في الدفاع عن ألوانها، بل جاءت اللفتة والتقدير من خارج حدود الحي المحمدي! جاء الاعتراف متأخراً ومن غريب، ليرسم غصة في حلوق عاشقيه، ويطرح سؤالاً يؤرق الذاكرة الكروية الوطنية: أين هي ثقافة الاعتراف في أنديتنا؟ ولماذا يتناسى الأبناء أباطرتهم، حتى يأتيهم التقدير من الخارج ؟
و يبقى عبد الرحيم حكمي رقماً صعباً في كتاب الكرة المغربية؛ أسطورة لم تصنعها أضواء الإعلام الكاذبة، بل صنعتها العزيمة، البر بالوالدين، والوفاء الشديد لقميص احتضن تاريخ أمة كروية بكاملها …
رفعت للتصميم













