خلف كواليس المستطيل الأخضر هل اغتيل حلم الأسود في دهاليز الكولسة أم انتحر فوق عشب التكتيك؟

بقلم : طارق الأسمر

لم تكن صفارة النهاية في مونديال 2026 مجرد إعلان عن انتهاء مباراة في كرة القدم، بل كانت أشبه بنصل بارد اخترق صدور الملايين من عشاق القميص الوطني. انطفأت الشاشات، صمتت الهتافات، وتفرق العشاق من المقاهي والساحات، تاركين وراءهم غبار خيبة أمل مريرة، وأسئلة حارقة باتت تؤثث تفاصيل الشارع الرياضي المغربي وتتقاسم ليله ونهاره.

 

فبين زوايا المقاهي العتيقة ومنصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى محاكم علنية، انقسمت القراءات وصارت الجماهير تمشي على حبل مشدود بين ضفتين، ضفة ترى في الإقصاء مؤامرة حيكت بليل في دهاليز الكولسة، وضفة أخرى تواجه الحقيقة العارية وتراه فشلاً تقنياً وتكتيكياً صنعته أيدينا.

 

وثمة تيار جارف في الشارع المغربي يرفض أن يصدق أن أسود الأطلس سقطوا بضربة قاضية شريفة. هذا الاتجاه يرى في تفاصيل المونديال ملامح سيناريو مكتوب سلفاً في غرف مظلمة، حيث أصبحت الصافرة التحكيمية أشبه بمقص يغتال طموح الكبار.

 

حيث يتحدث هؤلاء بمرارة عن لقطات حاسمة حبست الأنفاس، أهدافٌ ألغيت، وضربات جزاء شرعية غضّت تقنية الـ VAR الطرف عنها، وكأن الشاشات أصيبت بعمى مؤقت فقط عندما تعلق الأمر بالحق المغربي. ولا تتوقف الحكاية هنا، بل تمتد لتشمل ضغوطاً لوجستية وإعلامية شرسة، وتعيينات تحكيمية مشبوهة وُضعت بدقة لبعثرة أوراق النخبة الوطنية، وكأن هناك رغبة خفية لإعادة القوى الصاعدة إلى حجمها، وحماية عروش القوى التقليدية في عالم الساحرة المستديرة.

 

وعلى المقلب الآخر، يرفض صناع الواقعية الكروية الاختباء خلف عباءة المؤامرة الجاهزة. بالنسبة لهؤلاء، فإن البكاء على شماعة التحكيم هو هروب إلى الأمام، ومواجهة الذات هي أولى خطوات الندم والاصطلاح.

 

كما يقف هذا التيار متأملاً أرضية الملعب ليؤشر على مكامن خلل واضحة لم تكن بحاجة لكولسة لتظهر، عقم هجومي قاتل جعل من السيطرة الميدانية مجرد استعراض بلا مخالب، وغياب تام للمسة الأخيرة وللقنّاص الذي يترجم الجهد إلى أهداف. أضف إلى ذلك خيارات تكتيكية كبلت إبداع اللاعبين، وقراءة متأخرة لمجريات المباريات الحاسمة من قِبل الجهاز الفني، وغياب تام للخطة ب حين استعصت الحلول. لقد بدا بعض النجوم كأشباح فوق العشب، منطفئي الذهن ومثقلين بإرهاق موسم شاق، وتحت وطأة تطلعات شعبية فاقت قدرتهم على التحمل.

 

إن الحقيقة في عالم كرة القدم، كما في الحياة، نادراً ما تكون بيضاء بالكامل أو سوداء بالكامل، إنها تقيم دائماً في تلك المنطقة الرمادية الفاصلة بين الطرفين.

 

قد تكون الكولسة قد نصبت شباكها فعلاً، وثمة ظروف خارجية لم تكن منصفة، لكن التاريخ يكتبه المنتصرون الذين يملكون من القوة التكتيكية والجاهزية الذهنية ما يحميهم من تقلبات المكاتب المغلقة. فالفريق العتيد هو من يقتل المباراة في الدقائق الأولى ويجبر الحكام والخصوم على الانحناء لمنطقه.

 

فإن الوقوف طويلاً أمام أطلال مونديال 2026 وتوجيه أصابع الاتهام للآخرين لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. ما يحتاجه المنتخب اليوم ليس البكاء، بل مبضع جراح يمتلك الشجاعة لتشريح الأخطاء، وتجديد الدماء في الشرايين التي جفت، لاستعادة هيبة الأسود والتحضير لغدٍ يليق بكبرياء الكرة المغربية …