
بين شواطىء الموت وملاعب ٢٠٣٠: للمغرب اسئلة تُدفنُ في البحر
بقلم : طارق الأسمر
في القصة التي روتها شواطئ “الفنيدق” مؤخراً، لم تكن ابتسامة الشابة “فرح” وهي ترفع شارة النصر ببلل البحر على أشارف سبتة المحتلة مجرد وثيقة نجاة فردية، بل كانت مرآةً صقيلةً كشفت عورة المفارقة المغربية. لقد أضحت تلك الابتسامة المجهزة بالتحتُّم أيقونةً اختزلت ما آلت إليه أحلام جيلٍ يرى في الموج العاتي رحمةً لا تتاح له في اليابسة. لكنّ الاحتفاء بعبور “فرح” لا ينبغي أن يعمي الأبصار عن الفاجعة الممتدة، فخلف ثغرها الباسم جحيمٌ ساكنٌ يبتلع الأرواح؛ تسعة وعشرون جثماناً انتشلتها المياه منذ مطلع عام 2026، ستة أجساد قضت في الموجة الأخيرة وحدها، وأكثر من ألف وخمسائة روح رافقت الريح سباحةً نحو المجهول خلال أسبوع واحد.
تلك الأرقام لم تعد مجرد بيانات إحصائية تُطوى في سجلات الحرس المدني الإسباني، بل هي صرخة نقدية صادحة تطعن في ترتيب الأولويات؛ صرخة تستوقف دولةً تخوض سباقاً محمومًا مع الزمن لتشييد الملاعب، وتحديث الموانئ، ومطاردة خطوط السكك الحديدية العالية السرعة استعداداً لاستحقاقات كروية عالمية في عام 2030. إنها مفارقة مؤلمة بين وطنٍ يُعَبَّأُ فيه نحو 190 مليار درهم – ما يعادل زهاء 12% من الناتج الداخلي الإجمالي – لتهيئة العشب وبناء المدرجات وتوسعة المطارات ليليق بـ”ضيوف العالم”، وبين شبابٍ يُترك لبرودة المياه ومصير الغرق لأنه لم يجد في هذا “المغرب الموعود” مقعداً ولا أفقاً.
فليس الاعتراض هنا على فكرة الاستثمار في البنية التحتية، فالقطارات والمطارات المكينة مكاسبُ وطنية لا يمارى في أهميتها أحد. بيد أن السؤال السياسي الأكثر إلحاحاً وعمقاً يكمن في سر العزيمة والنجاعة الحاضرتين بقوة حين يتصل الأمر بأجندة رياضية دولية محددة باليوم والساعة، مقابل الشلل العضال والتسويف الأبدي حين يتصل الأمر بتوفير شغلٍ كريم، أو تعليم يزرع الأمل، أو تكوين يضمن الاستقلال الاجتماعي لشباب البلاد.
لأن الأرقام الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة نفسها ترسم لفتيان الوطن صورة أكثر دكانة من قاع البحر، نسبة بطالة تناهز 37.2% بين الشباب، و1.19 مليون إنسان يقعون في فخ “الشغل الناقص”، و2.9 مليون شاب – أي ما يعادل شاباً من كل ثلاثة – خارج مدارات التعليم والتكوين وسوق العمل، تشكل النساء ثلاثة أرباعهم. أمام هذه الأرقام المفزعة، يتضح أن المشكلة ليست في ضباب البحر ولا في شواطئ الشمال، بل في ضبابية رؤية عمومية اختزلت حلولها الاجتماعية في المقاربات الأمنية؛ تشديد للخناق، إغلاق للشواطئ، ونقلٌ للمرشحين للهجرة بعيداً عن أعين الكاميرات، دون أن يخرج مسؤول واحد ليقدم جواباً سياسياً عن المسببات الحقيقية التي جعلت من البحر خياراً يستوي فيه الأمل مع الموت.
وعلاوة على ذلك، تثبت التحليلات الاقتصادية أن ضخ المليارات في أسمنت وملاعب “2030” لا يعود بالضرورة بالنفع المباشر على الدورة الاقتصادية المحلية؛ إذ تشير النماذج إلى أن نحو 60% من هذا الإنفاق الملياري يذهب لاستيراد المعدات والتجهيزات الخارجية، ناهيك عن مخاطر انزلاق كلفة المشاريع التي قد تثقل كاهل المديونية العمومية بحلول عام 2034 دون تحسين ملموس في جودة حياة المواطن اليومية.
فإن البنيات التحتية لا تتحول إلى “سياسة اجتماعية” بمجرد إنجازها، بل بحسّها الإنساني؛ بحجم الفرص الدائمة التي تخلقها، وبالأمل الذي تزرعه في قلوب مواطنيها. إن نجاح السياسات لا يُقاس بسعة المدرجات ولا بطول السكك الحديدية، بل بعدد الشباب الذين انتُشلوا من طوابير البطالة إلى سوق الشغل، ومن الهشاشة إلى الكرامة، ومن التفكير في ركوب البحر إلى الإيمان ببناء المستقبل فوق تراب الوطن.
ومع اقتراب عام 2030، وبينما تهيئ المدن المغربية أرصفتها لاستقبال ملايين الزوار، سيظل السؤال الذي تطرحه جثامين الفنيدق وابتسامة “فرح” معلقاً في أذهان الجميع: كم شاباً سيصل ذلك الموعد وهو يحمل عقد عمل بيده بدلاً من خيار العبور سباحة؟ وكم مقاولة صغيرة ستستفيد بحق من كعكة المشاريع دون أن تظل المليارات محتكرة بين أيدي الكبار؟
إن البحر لا يخلق المهاجرين، ولكنه يبتلع من ضاقت بهم الأرض. وحين تنجح الدولة في ضبط مواعيد الملاعب والقطارات، وتخفق في ضبط موعد أبنائها مع الشغل والكرامة، فإن القضية تتجاوز كلفة المونديال لتطال روح العقد الاجتماعي برمته.
رفعت للتصميم












