
تفكيك المركز… حين منح الأدب الهامش حق الكلام
بقلم : ماجد القيسي
لم يعد الأدب الحديث يؤمن بأن هناك صوتًا واحدًا يملك الحقيقة، أو بطلًا واحدًا يمثل الجميع، أو تفسيرًا نهائيًا للحياة. لقد تغيرت نظرة الكتّاب إلى العالم، فلم يعد المركز هو الذي يروي الحكاية وحده، بل أصبح للهامش أيضًا حق الكلام.
هذا التحول لم يكن مصادفة، بل جاء نتيجة تغيرات فكرية وثقافية عميقة جعلت الأدب أكثر انفتاحًا على الاختلاف، وأكثر اهتمامًا بالإنسان العادي من اهتمامه بالأبطال الاستثنائيين. فلم تعد الرواية تبحث عن الحقيقة المطلقة، بل عن زوايا متعددة لفهمها.
نرى ذلك بوضوح في رواية يوليسيس لجيمس جويس التي جعلت من يوم عادي حدثًا يستحق السرد، وفي مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز التي أعادت كتابة التاريخ من ذاكرة الناس لا من كتب السلطة، وفي اسم الوردة لأومبرتو إيكو التي تترك الحقيقة مفتوحة أمام أكثر من تفسير، بينما تكشف مسرحية في انتظار غودو لصموئيل بيكيت أن الإنسان قد يعيش حياته باحثًا عن معنى لا يأتي بصورة نهائية.
ولم يكن الأدب العربي بعيدًا عن هذه الرؤية؛ فقد أعادت أعمال عبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وإلياس خوري الاعتبار للشخصيات المهمشة، وقدمت التاريخ من وجهة نظر الذين يعيشون نتائجه لا الذين يكتبون قراراته.
لقد منح تفكيك المركز الأدب قدرة أكبر على تمثيل الواقع بكل تناقضاته. فلم يعد النص يفرض على القارئ معنى واحدًا، بل يدعوه إلى المشاركة في اكتشافه. وربما لهذا السبب أصبح الأدب المعاصر أكثر قربًا من الإنسان؛ لأنه لم يعد يبحث عن بطل كامل أو حقيقة مكتملة، بل عن أصوات متعددة، لكل منها حقها في أن تُروى،
وأن تُسمع.
رفعت للتصميم












