” أنفاس على حافة الركام “

كانت الريح الخريفية تسفّ التراب في وجوهنا، محمّلة برائحة البارود والطبشور الكلسي الذي يكسو كل شيء. تحت السماء المعتمة التي لا يقطع سكونها سوى أزيز الطائرات البعيد، جلسنا نلتفّ حول موقد صغير صنعتُه من حجارة أثريّة قُطعت أجزاؤها من جدار بيتي المنهار.

كان المأوى عبارة عن قطعة قماش هشة مشدودة بين عمودين مائلين؛ لا تقي حراً ولا تمنع برداً، لكنها توهمنا بوجود سقف. حولنا، كانت الأسر الأخرى تتوزع في الفناء المفتوح كأشباح هائمة. أمهات يضممن أطفالهنّ إلى صدورهنّ كي يمنحنهم دفئاً لا يملكنه، وشيوخ يحدقون في الأفق بعيون انطفأ فيها شغف الحياة، وأطفال تعوّدت أذانهم على التمييز بين صوت المدافع وصوت الصواريخ قبل أن يتعلموا القراءة.

فجأة، اهتزت الأرض تحتنا ارتجاجاً مرعباً. صدى انفجار قريب أطاح بما تبقى من هدوء الليل. صرخ طفل في الناحية الأخرى من المخيم، وتراكضت الأجساد في العتمة نحو اللاشيء؛ فلا ملجأ يحمي، ولا جدار يصدّ الشظايا. انهمر غبار كاسح أعمى الأبصار، واختنق الهواء بدخان كبريتي حاد.

في وسط هذا الهلع، وقف صديقي قبالتي. كان يتنفس بسرعة، وغبار السقف المنهار يكسو شعره وجفنيه. نظر إليّ والذعر يلمع في حدقتيه، وتساءل بنبرة خافتة تقاوم جلبة الصراخ حولنا:

— كيف حالك؟

مسحتُ الغبار عن وجهي، وحاولتُ تصنع الثبات لعلّي أهدئ من روعه، قلتُ بصوت محشرج:

— الحمد لله… بخير.

ساد بيننا صمت قصير، طغت عليه صرخات الاستغاثات البعيدة ورائحة الموت المنبعثة من جهة الانفجار. اقترب مني خطوة، وتفرّس في ملامحي المرتجفة، ثم قال بصوت خفيض كأنه نداء من باطن الأرض:

— شيء هناك، في ثنايا الروح، يصرخ بي: “إنك تكذب”

انكسرت كل محاولاتي للتظاهر بالتماسك. أطرقتُ رأسي نحو الأرض المغطاة بالحرائق، وهتفتُ بنبرة يملؤها القهر:

— أعلم والله أنني أكذب! لكن… هكذا تعلمنا، أن نحمد الله في السراء والضراء.

شدّ على كتفي بيده المرتجفة الباردة كالحديد، ووسوس لي وهو يلتفت نحو العائلات الملقاة على العراء تحت قصف لا يرحم:

— لقد طال الضُر يا صديقي… وبلغ الصبر مداه. موتٌ وجوعٌ، خوفٌ وعراء… إلى متى نكابر؟

لم أجد ما أرد به. انقضت اللحظة وعاد أزيز الطائرات يملأ الفضاء من جديد، فلذنا بالصمت، ونحن نعلم أن بقاءنا على قيد الحياة حتى الصباح ليس إلا تأجيلاً آخر لقصة لم تنتهِ بعد.

د. أسامة محمد زيدان.

رفعت للتصميم