غائبٌ يعود من الظل

كانت قرية “الجناين” هادئة كعادتها، لكن البيت الصغير عند أطرافها كان يلفه حزنٌ مقيم منذ صيف عام 1967.

في ذلك العام، غاب “إبراهيم”. خرج بزيّه العسكري متسلحاً بالأمل، لكن الحرب انتهت، ولم يعد. مرت الأسابيع ثم الأشهر، ومسحت البيانات الرسمية قائمة الأسماء دون أن تذكر اسمه بين الأحياء أو الأسرى. جلس والده الشيخ على الدكة الطينية يتأمل الطريق الترابي كل غروب، بينما ظلت والدته تحتفظ بقميصه الأخير مطوياً تحت وسادتها، ترشه بعطرها كلما اشتد عليها الشوق، حتى تعب الجسدان وأسلم الجميع بأن إبراهيم صار شهيداً في طيات الصحراء. أقاموا له مجلساً تأبينياً بسيطاً، وبكت القلوب قبل العيون، وأُغلق باب الأمل.

مرت تسعة أشهر كاملة.

في مساءِ يومٍ شتويّ داكن، كانت التساقطات الخفيفة تضرب نوافذ الخشب المتهالكة. كانت الأم تجلس بجوار الموقد تشعل بعض الحطب، بينما يسود البيت صمتٌ ثقيل لا يقطعه سوى صوت أنفاس الأب المجهدة.

فجأة، طُرِق الباب.

لم تكن طرقة عادية؛ كانت ضعيفة، متقطعة، كأن يد صاحبها مترددة أو يخونها الجسد.

نظرت الأم إلى زوجها باستغراب: “من يأتي في هذا البرد وفي هذا الوقت؟”

نهض الأب متكئاً على عصاه، وفتح الباب ببطء.

في العتمة، تحت ضوء الفانوس الخافت، كان يقف رجلٌ نحيل، بثيابٍ مهلهلة وعينين غائرتين يملؤهما إعياء السفر والتعب، ولحية طويلة خالطها الغبار. وقف الغريب صامتاً لثوانٍ، يتأمل وجه الأب المذهول، قبل أن تخرج منه كلمة واحدة بصوتٍ خفيض ومبحوح:

“— يابا…”

سقطت عصا الأب من يده. جمدت الدماء في عروقه وهو ينظر إلى ذلك الوجه الذي دفنه في خياله منذ أشهر. انطلقت الأم من الداخل كالمجنونة حين سمعت الصوت، لتجد ابنها الذي بكت عليه ليالي طويلة واقفاً على العتبة، حياً يرزق، بين الشك واليقين.

ارتمت في أحضانه وهي تنتخب من الدموع، غير مصدقة أن هذا الجسد الدافئ هو إبراهيم نفسه. تبخرت مرارة الأيام في لحظة عناق واحدة.

جلس إبراهيم وسط أهله بعد أن أطعموه ودثروه بالغطاء. حكى لهم كيف جُرح في قلب المعركة، وكيف أنقذه بدويٌّ صالح في عمق الصحراء، واحتضنه في بيته يداوي جراحه الشديدة وحماه من العيون لشهورٍ طويلة حتى استرد عافيته وقدرته على المشي، ليعود سعيراً على قدميه في رحلة طويلة وصل بها أخيراً إلى دياره.

في تلك الليلة، لم ينم أحد في البيت. كان الأب يجلس بجواره يمسك يده كأنه يخشى أن يختفي مع الضوء، بينما يردد بصوتٍ يملؤه اليقين:

*”الحمد لله الذي ردك إلينا… فما بعد الظلمة إلا النور.”*

تمت

أحمد عيسى

رفعت للتصميم