خيانة مقدسة

خيانة مقدسة

 

لم أكن أريدك.

أقسمُ أني لم أكن أريدك.

ولكنكَ جئتَ في زمنٍ صارت فيه الحربُ ديانةً، والسلامُ خيانةً.

 

أنا ابنةُ أورشليمَ.

في عروقي دمٌ عبرانيٌّ قديمٌ كأسفارِ التوراةِ،

وفي عينيّ حزنٌ لا يفهمهُ إلا جدارُ المبكى.

كبرتُ وأنا أحفظُ اسمَكَ كـ “العدوِّ” في دعاءِ أمي.

 

ثم رأيتُك في ليلةِ هدنةٍ…

تسقي شجرةَ زيتونٍ عطشى بنصفِ قِربتِك.

حينها انكسرت كلُّ الأسفارِ داخلي.

 

أحببتُك أكثرَ مما ينبغي.

بذنبٍ لا يغفرهُ حاخاماتي، وبوجعٍ لا يفهمهُ جنودُك.

لأنك أولُ من قال لي: “اسمكِ ليس قضيةً… اسمكِ امرأةٌ”.

 

في قلبي أنثى عبريةٌ.

ترتجفُ لصوتِ الشوفارِ إذا نادى للحربِ،

ولصوتِ الأذانِ إذا نادى للفراقِ.

ممزقةٌ بين نجمةِ داودَ في عنقي،

واسمِكَ الموشومِ على معصمي.

 

علّموني كرهَكَ…

فعلّمتني عيناكَ رؤيتَكَ.

قالوا: “إياكِ أن تُحبي”.

فأحببتُك بكلِ المحرماتِ التي في كتبهم.

 

كنتُ أهربُ إليكَ من القصفِ،

وأهربُ منكَ إلى الخجلِ.

أخيطُ جرحَكَ بيدي،

وأمحو اسمي من سجلاتِ قومي.

 

وفي الليلةِ الأخيرةِ جاءوا يبحثون عن “الخائنةِ”.

سألوني: “من كان معكِ؟”

قلتُ: “كان معي إنسانٌ”.

جلدوني.

ولم يوجعني السوطُ… أوجعني أنهم محوا اسمَكَ من شفتيّ.

 

قبلَ أن يأخذوني، تركتُ لكَ رسالةً تحتَ الزيتونةِ:

“لم أندمْ.

لو خُيّرتُ بين وطني وبينك ألفَ مرةٍ، لاخترتُك.

لأني في اليومِ الذي أحببتُك فيه،

تحررتُ من كلِّ الأوطانِ إلا وطنَ قلبِك.

 

إن سألوكَ عني، قل:

كانت هنا أنثى عبريةٌ

أحبّت جنديًّا أكثرَ مما ينبغي…

فصارت وطنًا بلا حدودٍ”.

 

احترقتِ الرسالةُ.

وبقيتُ أنا… بلا قومٍ، ولا حبيبٍ، ولا خطيئةٍ إلا الحبَّ.

وفي قلبي لا تزالُ أنثى عبريةٌ

تُصلي من أجلكَ في كلِّ صلاةٍ حُرّمت عليها.

 

انتهت الحربُ.

ولم أنتهِ.

 

وهاج  يوسف… السودان