اعتذار متأخّر إلى الأرض

اعتذار متأخّر إلى الأرض

 

وجدتُ يديّ مُبلّلتيْن باليباس

 

كلّما انحنيتُ لأغسل وجهي

كان الماء ينظر إليّ طويلا

ثمّ يتراجع

لم يعُد يَثِق بأصابع البشر

 

كنت أتبعُه بعينين عطشى

يشيح بوجهه ويترك في كفّي

أثر نبع تعلّم الغياب

 

في الطّريق

كانت الأشجار تخلع خضرتها

ورقة ورقة

لا لأنّ الخريف مرّ من هنا

بل لأنّ النّار

كانت تحفظ أسماءها

عن ظهر دخان

 

والجبل

كان يضع كفّه على صدره

ويتنفّس كما يتنفّس شيخ

اكتشف متأخّرا أنّ الهواء

يمكن ايضا أن يحترق

 

حتّى البحر

ذلك الّذي كان يوسّع قلبه لكلّ الجهات

وقف عند آخر الموج

كأنّه يخشى أن يمُدّ ذراعيه إلى اليابسة

 

ولم يكن الخراب يتكلّم

كان يجلس في مكان الماء

ويترك العطش

يروي الحكاية

 

ورأيتُ امرأة

تحمل آخر قطرة ماء

كما تحمل آخر طفل وسط الزّحام

تمضي بها في خشوع

تعرف أنّ قطرة واحدة لن تُنقذ غابة

لكنّها قد تؤجّل موت زهرة

 

وعصفور كان يهبط

كلّ صباح إلى نافذته القديمة

ظلّ يحلّق طويلا

ثمّ مضى

لم يجد عنوانا للحياة

 

عندها عرفتُ

أنّي كنت أعتذر للأرض

لا بصوتي

بل بالعطش الّذي سكن كفّي

وبالرّماد العالق في ظلّي

وبالدّمعة الّتي تأخّرت حتّى جفّت

قبل أن تبلغ عين طفل

 

وكانت الأرض تنظر إليّ

بوجه أمّ

تعرف أنّ أبناءها لا يعودون

إلاّ حين يُتعبهم الطّريق

 

لَمْ تُعاتِبني

 

كانت تكتفي بذلك الصّمت

الّذي تعرفه الأمّهات

حين يكتشفن أنّ أبناءهنّ كبروا. ….

 

ولم يكبُر قلبُ العالم

 

لهذا لم يبق

غير قلب الشّعراء

يُرمّمون ماتهدّم في الرّوح

 

وإذا مررتَ يوما بقبر شاعر

لم يكن يملك سوى كلمة

لِيستُر بها عري العالم

 

فلا تسأله :

لِمَ لمْ يُطفئ الحرائق

ولم يُرجِع الماء إلى الينابيع

ولم يمنع العتمة عن البيوت

 

فالشّاعر لا يورث إلاّ قلبا

كلّما انكسر

اتّسع ……

 

ضع فوق قبره حفنة تراب

واسقها بقطرة ماء إن وجدتها

ثمّ قل له بصوت لا يُوقِظ الموتى :

 

لقد حاول

أن يرُدّ الماء إلى ذاكرته

وإلى الشّجر ظلّه

وإلى العصفور سماءه

وإلى الطّفل دهشته

وإلى الأرض

اعتذارا

تأخّر كثيرا

منية نعيمة جلال

تونس