
صباح أخطائنا الحكيمة
قال لي أحد الأصدقاء منذ أيّام:
«أنا معجب جدًا بمقالاتك التي تنشرينها، تقولين فيها كثيرًا مما نريد نحن قوله ولا نجرؤ عليه… لكنكِ، بكل تأكيد، ستصنعين لنفسك الكثير من الأعداء.»
ابتسمتُ وأجبته:
«كل العداوات والشرور التي تقف خارج ذواتنا يمكن احتمالها ومواجهتها. الأهم ألّا نصير نحن أعداء أنفسنا، حين نكذب لنكسب محبة الناس، أو نصمت كي لا نخسر رضاهم، أو نرتدي وجوهًا لا تشبهنا فقط لأن الحقيقة لا تعجب الجميع.»
انتهى حوارنا عند تلك الجملة، لكنه لم ينتهِ داخلي.
بقيت الجملة مفتوحة في رأسي كنافذة دخلت منها ريح قديمة، فبعثرت أوراقًا ظننت أنني رتبتها منذ زمن. أخذتني مخيلتي بعيدًا، إلى طرق سرت فيها وأنا أظنها الطريق الوحيد، وإلى أبواب طرقتها طويلًا قبل أن أفهم أنها لم تكن لي، وإلى جروح في الذاكرة حسبت أن الزمن أغلقها، فإذا بها لا تزال تعرف كيف تؤلم عندما تلمسها فكرة.
تذكرت أخطاء كثيرة ارتكبتها قبل أن أفهم أن للحياة وجهًا آخر لا نراه في البدايات…
في أول العمر، نظن أن الخسارة هي أن يتركنا أحدهم، ثم نكبر لنعرف أن الخسارة الحقيقية أن نترك أنفسنا كي يبقى.
نظن أن الشجاعة في أن نقاتل حتى النهاية، ثم نتعلم أن بعض المعارك لا تحتاج إلى انتصار، بل إلى شجاعة الانسحاب منها.
نظن أن الطيبة تعني أن نمنح بلا حدود، وأن نسامح بلا حساب، وأن نحتمل أكثر مما ينبغي، ثم نفهم متأخرين أن الطيبة التي لا تحمي صاحبها قد تتحول إلى شكل هادئ من أشكال إيذاء الذات.
كم مرة اعتذرنا ونحن لم نخطئ، فقط لأننا خفنا أن نخسر أحدًا؟
كم مرة ابتلعنا كلمة كانت قادرة على إنقاذ كرامتنا، لأننا أردنا الحفاظ على علاقة انتهت في الحقيقة منذ زمن؟
كم مرة قلنا: «لا بأس»، بينما كان كل شيء في داخلنا يقول إن هناك بأسًا كبيرًا؟
وكم مرة أضعنا أنفسنا ونحن نحاول أن نبدو بالصورة التي يريدها الآخرون؟
ربما لا تكون أكبر أخطائنا تلك التي ارتكبناها بحق الناس، بل تلك التي ارتكبناها بحق أنفسنا ونحن نحاول إرضاءهم.
توقفت طويلًا أمام سؤال بدا بسيطًا، لكنه فتح أمامي أبوابًا كثيرة:
هل علينا أن نخطئ كي نتعلم؟
لا أعرف إن كان الخطأ شرطًا للحكمة، لكنني أعرف أن بعض المعاني لا تدخل إلينا من باب النصيحة.
نسمعها مئات المرات ولا نفهمها… يقولون لنا: لا تثق كثيرًا، فنثق. لا تعطِ أكثر مما تحتمل، فنعطي. لا تجعل أحدًا مركز حياتك، فنفعل. لا تتنازل عن نفسك كي تحتفظ بأحد، فنتنازل.
ثم يأتي الألم ليشرح لنا، في ليلة واحدة، ما عجزت آلاف الكلمات عن شرحه في سنوات. فبعض الدروس لا نتعلّمها حين نسمعها، بل حين نعيشها، ولا يكتمل معناها فينا إلا بعد أن ندفع للحياة ثمن الفهم. لهذا لا أكره أخطائي القديمة كما كنت أفعل. بعضها كلّفني كثيرًا، نعم… بعضها أخذ مني سنوات، وبعضها ترك ندوبًا ما زلت أتحسسها كلما مررت بذاكرة بعينها، لكنني بدأت أرى الأمر بطريقة مختلفة:
ربما كانت تلك الأخطاء أجرة الطريق الذي أوصلني إلى نفسي.
لولا بعض الخيبات، لبقيت أطرق أبوابًا مغلقة. لولا بعض الخذلان، لما عرفت أن ظهري قادر على حمل نفسه. لولا الذين أساؤوا فهمي، لبقيت طوال عمري أشرح نفسي للجميع.
ولولا المرات التي خسرت فيها الآخرين بسبب كلمة صادقة، لما أدركت أن أسوأ خسارة يمكن أن يعيشها الإنسان هي أن يكسب العالم كله بنسخة مزيفة منه. في مرحلة ما من العمر، يتغير تعريفنا للنجاة. لا نعود نريد أن يحبنا الجميع… نريد فقط ألّا نضطر إلى كراهية أنفسنا كي يحبنا أحد.
لا نعود نخاف العداوات في الخارج كما كنا نفعل، لأننا نكتشف أن أخطر عدو يمكن أن يسكن الإنسان ليس شخصًا يتربص به، بل صوت داخلي يطالبه كل يوم أن يصغر قليلًا، ويصمت قليلًا، ويتنازل قليلًا، حتى لا يبقى منه في النهاية إلا ما يناسب الآخرين. والحياة، في معناها الآخر، تبدأ ربما في اللحظة التي نتوقف فيها عن فعل ذلك.
حين نتصالح مع أخطائنا من دون أن نبررها، ونسامح نسختنا القديمة لأنها كانت تتصرف بما تعرفه آنذاك، ونفهم أن النضج ليس أن نقول: «لم أخطئ»، بل أن نستطيع النظر إلى الوراء والقول:
كنتُ مخطئًا… لكنني لم أعد الشخص نفسه الذي ارتكب ذلك الخطأ.
لذلك، لا أعرف إن كان علينا أن نخطئ كي نتعلم.
لكنني أعرف أننا، ما دمنا قد أخطأنا، فلا يجوز أن نخرج من الخطأ بالجرح وحده. علينا أن نأخذ معنا المعنى أيضًا.
فليس مؤلمًا أن تسقط مرة، المؤلم أن تنهض كما كنت، ثم تسقط في الحفرة نفسها.
أما أجمل ما يمكن أن نصنعه من أخطائنا، فهو أن نحولها من ندوب نخجل منها، إلى خرائط ترشدنا كلما التبس علينا الطريق.
وحينها فقط نفهم أن بعض ما ظننّاه انكسارًا، لم يكن سوى الطريقة القاسية التي أعادتنا بها الحياة إلى أنفسنا.
بقلم ناريمان علوش











