
ارتفاع الأحكام الشرعية الولائية بوفاة الفقيه الحاكم
بقلم د. علي المؤمن
يميّز الفقه الإسلامي الإمامي بين نوعين من الأحكام الشرعية:
الأول: الفتوى، وهي بيان الحكم الشرعي الكلّي المستنبط من الأدلة الشرعية، وهي لا ترتبط بمنصب الفقيه الحاكم الشرعي، بل هي رأي فقهي اجتهادي قائم على عملية الاستنباط.
الثاني: الحكم، وهو قرار تنظيمي أو إداري أو تدبيري يصدر عن الحاكم الشرعي في نطاق صلاحياته؛ لإدارة شأن خاص أو شأن عام، وتحقيق مصلحة خاصة تتعلق بقضية فرد أو جماعة، أو مصلحة عامة تتعلق بشؤون المجتمع والدولة. وهو يرتبط بأصلين من أصول الولاية: الولاية الحسبية، والولاية على الحكم.
وليس كل ما يصدر عن الفقيه يُعدّ فتوى أو حكماً ولائياً؛ ففتواه في مسألة مثل الصلاة أو الصوم أو الطهارة هي فتوى وكشف عن الحكم الشرعي، أما أمره بتنظيم شأن عام فهو حكم ولائي. أي أن أحكام الحاكم الشرعي تسمى بالأحكام الولائية، وهي الأحكام التي يصدرها الفقيه الحاكم باعتباره وليّاً لشؤون المجتمع.
وهنا يميّز الفقه الإمامي أيضاً بين ثلاث مراتب من الحكم الولائي:
1- الأحكام الولائية التي يصدرها سائر الفقهاء، كتعيين متولٍّ أو وكيل، أو نصب قيّم على قاصر أو يتيم.
2- الأحكام الولائية التي يصدرها المرجع الأعلى أو الفقيه المتصدّي، وهي ترتبط غالباً بالأمور الحسبية وتنظيم شؤون المجتمع.
3- الأحكام الولائية التي يصدرها الولي الفقيه الذي يحكم دولة قائمة، ويصطلح عليها بعض الفقهاء بالأحكام الحكومية، تمييزاً لها عن سائر الأحكام الولائية؛ لأنها ترتبط بقضايا الحكم والدولة والمصالح والمفاسد العامة.
ومن خصائص الحكم الولائي أنه يتعلق غالباً بالمصالح العامة، وتنظيم المجتمع، والإشراف على عمل الدولة وأجهزتها، وقد يتغير بتغير الزمان والمكان والظروف، ويكون ملزماً لمن تشملهم ولاية الحاكم الشرعي، وإن كانوا من غير مقلّديه أو يقيمون في بلدان أخرى بحسب الموضوع، بل تسري أحكامه الولائية حتى على الفقهاء الآخرين.
ومن أمثلة ذلك: الأحكام المتعلقة بالأموال العامة، والأوقاف، والسياسات الدفاعية، وإعلان التعبئة، وتحديد بعض الأنظمة الاقتصادية والإدارية، وفرض القوانين التنظيمية، ومنع تكليف شرعي إذا ترتب عليه ضرر عام، وإسناد مسؤوليات ترتبط مباشرة بإذن الحاكم الشرعي. ومن مصاديق ذلك: تحريم شراء سلعة معينة مباحة أصلاً، وتحريم صناعة سلاح معيّن، كالسلاح النووي، وتعيين مسؤول في موقع إداري، والعفو عن محكوم عليه قضائياً في الحق العام.
وتبقى ولاية الحاكم الشرعي العام (المرجع الديني أو الولي الفقيه) وأحكامه الولائية نافذة ما دام متصدّياً لمنصبه، متمتعاً بشرائط الولاية وصلاحياتها، أما إذا توفي، أو تنحّى، أو عُزل، أو فقد شروط الولاية، كالفقاهة أو العدالة أو الكفاءة، فإن أحكامه الولائية ترتفع وينتهي مفعولها. أما الفتوى فلا ترتفع بوفاة الفقيه من حيث كونها حكماً شرعياً، وإن كان التقليد قد ينتقل إلى غيره على بعض المباني الفقهية.
ويرتبط ذلك بقاعدة أصولية تنص على أن: «الحكم يدور مدار موضوعه وجوداً وعدماً». فإذا كان موضوع الحكم الولائي هو تصدّي هذا الفقيه بالذات لمنصب الولاية العامة، فإن زوال هذا الموضوع بزوال الفقيه أو خروجه من المنصب يوجب ارتفاع ما كان مترتباً عليه من أحكام ولائية مرتبطة بشخصه وسلطته. أي إن موضوعات الأحكام الولائية تعود إلى منطقة الفراغ، وتدخل في دائرة التفويض التشريعي للولي الفقيه اللاحق.
وقد عبّر الفقهاء عن هذا المبدأ بقولهم: «حكم الحاكم نافذ ما دام واجداً للشرائط»، فإذا فقدها بالموت أو العزل أو العجز، انتهت ولايته التنفيذية. وقد تم بحث هذا الموضوع فقهياً في باب القضاء؛ إذ إن ولاية القاضي مستمدة من نصب الحاكم الشرعي أو من ولايته العامة، فإذا زالت ولايته زالت الصلاحية المستقبلية لإصدار الأحكام. ويكون استمرار آثار هذه الأحكام بعد وفاته أو خروجه من المنصب متوقفاً على إمضاء الحاكم الشرعي اللاحق.
وتسري هذه القاعدة على الأحكام والقرارات الولائية المرتبطة بشغل مناصب الدولة العليا، كرؤساء المؤسسات والسلطات الذين سبق أن عيّنهم الولي الفقيه، كقاضي القضاة، أو أمضى انتخابهم الشعبي وصادق على تولّيهم مناصبهم، كرئيس السلطة التنفيذية. فإن استمرارهم في مناصبهم بعد وفاة الولي الفقيه، أو خروجه من منصبه لأي سبب، يثير إشكالاً فقهياً وقانونياً. والرأي الراجح هو أنهم يتحولون تلقائياً إلى مسؤولين لتصريف الأعمال، إلى حين إعادة إمضائهم أو تثبيتهم من قبل الولي الفقيه الجديد؛ وذلك لأن المسؤول المعيّن مباشرة من قبل الولي الفقيه يستمد شرعيته الدينية والقانونية من حكم الولي الفقيه نفسه.
أما المسؤول المنتخب شعبياً، والذي يتوقف نفاذ تولّيه المنصب على إمضاء الولي الفقيه ومصادقته، فإنه يستمد مشروعيته الشعبية من الانتخاب العام، بينما يستمد الشرعية الدستورية ــ ذات البعد الولائي ــ من مصادقة الولي الفقيه، بوصفها حكماً ولائياً ذا أثر قانوني. وبناءً على هذا المبنى؛ فإن إمضاء تنصيب المسؤول يزول بوفاة الولي الفقيه أو فقدانه لمنصبه؛ لارتباط الإمضاء بشخص الولي الفعلي وصلاحياته الفعلية.
وقد يقال هنا إن الولي الفقيه يمارس ــ في هذه الموارد ــ صلاحية قانونية بصفته رئيساً للدولة، لا بصفته الفقهية الولائية؛ وعليه فإن القرارات الصادرة عنه تبقى نافذة بعد وفاته، كما هو الحال في الأنظمة السياسية الوضعية. إلا أن هذا الرأي لا يصح؛ لأن منصب الولي الفقيه ذو طبيعة مركبة، لا تنفصل فيها الجهة الشرعية عن الجهة القانونية، بل إن شرعية السلطة القانونية نفسها قائمة على أساس فقهي ديني. ومن ثمّ فإن قراراته لا تعدّ قرارات إدارية مجردة، بل أحكاماً وقرارات ذات منشأ شرعي وقانوني معاً.
وتبرز هنا إشكالية أخرى تتعلق بإمكان اكتفاء الولي الفقيه الجديد بإمضاء المسؤول المنتخب شعبياً ــ كرئيس الجمهورية ــ الذي سبق أن صادق عليه الولي الفقيه السابق، من دون الحاجة إلى انتخابات جديدة قبل انتهاء مدته












