الرجل بين القِوامة والتعدّي

” حين يُغتال معنى الرجولة ”

ليست كلُّ سلطةٍ قِوامة، كما أنّ كلَّ قوةٍ ليست رجولة. فالإنسان لا يصبح قائمًا لأنه يملك القدرة على الفرض، بل لأنه يملك القدرة على حمل ما فُرض عليه. والقِوامة في جوهرها تكليفٌ ديني وأخلاقي، لا امتيازٌ يمنح صاحبه حقَّ التسلط.

تبدأ المأساة حين يسيء الرجل فهم القِوامة، فيظن أن ارتفاع صوته دليل مكانته، وأن خوف المرأة انتصارٌ له، بينما الحقيقة أن كل امرأةٍ تنحني خوفًا، يرتفع في داخلها جدارٌ من فقدان الثقة، حتى يصبح ما يبدو طاعةً مجرد انسحابٍ صامت من الإيمان بالرجل.

فالاعتداء لا يبدأ باليد، بل بالفكرة التي توهم الإنسان أنه مركز الكون، وأن الآخرين خُلقوا ليدوروا في فلكه. عندها لا يرى زوجته إنسانًا كاملًا، بل دورًا يؤديه، وهنا يولد الطغيان من فقر الروح لا من فائض القوة.

وحين تنكسر الثقة، لا يفقد البيت جدرانه، بل يفقد روحه. تصبح الحياة المشتركة شكلًا بلا معنى، ويغدو الزواج قائمًا قانونيًا، منتهيًا وجدانيًا. فالمرأة لا تتوقف عن الحب عندما تُهان، بقدر ما تتوقف عن التصديق، والثقة إذا انكسرت لا تعود كما كانت.

إن أكثر الرجال ضعفًا هم الذين يحتاجون إلى الخوف ليشعروا بالقوة. أما الرجل الحقيقي فلا يحتاج إلى تصغير المرأة ليكبر، لأن الكبار تُقاس قيمتهم بما يمنحونه من أمان، لا بما يفرضونه من هيبة.

القِوامة ليست حقَّ السيطرة، بل واجبُ الارتقاء؛ أن تكون أول من يضبط غضبه، وآخر من يظلم، وأسرع من يعتذر، وأكثر من يصون كرامة من ائتمنته على قلبها.

وحين تتحول القِوامة إلى ذريعةٍ للتعدي، فإنها تفقد معناها، ويبقى السؤال معلقًا فوق كل بيتٍ أنهكه الصمت: كم رجلًا بقي رجلًا بعد أن انتصر على امرأةٍ كانت ترى فيه كل أسباب الأمان؟

أحمد جلال بكري