قصة : ديك الن تحت المجر

بقلم : الأديب حميد بركي

 

قصة ديك الجن من أكثر القصص الأدبية التي أثارت جدلًا واسعًا بين الباحثين والنقاد، وذلك بسبب تداخل الحقيقة التاريخية مع العناصر التخيلية التي أضافتها الروايات الأدبية والشعبية عبر الزمن. فعلى الرغم من أنه شخصية تاريخية معروفة، فإن الأحداث المنسوبة إليه، ولا سيما قصة قتله لزوجته وردة، لم تصل إلينا من مصدر تاريخي واحد متفق عليه، الأمر الذي يجعل القارئ يقف أمام نص تتشابك فيه الحقيقة بالخيال، ويصعب الجزم بصدق جميع أحداثه، و تبرز أهمية قراءة القصة وفق أسلوب التشكيك، وهو الأسلوب الذي لا يسلّم بالرواية كما هي، والبحث في مدى صدقها، وتحليل دوافع مؤلفيها، والكشف عن العناصر التي يمكن أن تكون قد أضيفت لخدمة الغرض الأدبي أكثر من خدمة الحقيقة التاريخية.

فعند تأمل بداية القصة نجد أن صديق ديك الجن يظهر بصورة الصديق المخلص الذي يحظى بثقة الشاعر الكاملة، إذ لا يبدو في بداية الأحداث أي مؤشر يدل على نواياه السيئة أو رغبته في إفساد حياة صديقه، غير أن هذه الصورة تنقلب فجأة عندما يتحول إلى شخص يزرع الشك في نفس ديك الجن، ويقنعه بأن زوجته خانته، وهو تحول مفاجئ يدفع القارئ إلى التساؤل: هل كان هذا الصديق موجودًا أصلًا بهذه الصورة، أم أن الرواة احتاجوا إلى شخصية تؤدي دور المحرك الأساسي للمأساة، فجعلوا منه رمزًا للخيانة والوشاية؟ إن هذا التساؤل مشروع، خاصة أن كثيرًا من القصص التراثية تعتمد على وجود شخصية شريرة تكون سببًا في وقوع الكارثة، و ذلك يمنح الأحداث ترابطًا دراميًا ويجعلها أكثر تأثيرًا في المتلقي، كما أن الروايات التي تناولت القصة لا تتفق على جميع تفاصيلها، فبعضها يذكر أن الصديق كان حاسدًا، وبعضها يلمح إلى أن له غاية شخصية، بينما تكتفي روايات أخرى بالقول إنه نقل إشاعة دون التحقق منها، واختلاف هذه التفاصيل يجعل الرواية نفسها موضع شك، لأن الرواية التاريخية إذا كانت ثابتة في أصلها فإنها غالبًا لا تشهد هذا القدر من الاختلاف في العناصر الأساسية، ومن هنا يمكن القول إن صورة الصديق ربما تكون قد خضعت للتطوير مع مرور الزمن، حتى أصبحت جزءًا من البناء الفني للقصة أكثر من كونها حقيقة تاريخية مؤكدة.

ومن أكثر المواضع التي تستحق الوقوف عندها في هذه القصة ردة فعل ديك الجن نفسه، إذ يصعب تقبل فكرة أن شاعرًا عُرف بالحكمة والثقافة والقدرة على التعبير عن أدق المشاعر الإنسانية يمكن أن يقدم على قتل زوجته اعتمادًا على كلام شخص واحد دون أن يتحقق من صدقه، فالسلوك الإنساني في مثل هذه المواقف يكون أكثر تعقيدًا مما تصوره القصة، إذ يفترض المنطق وجود مواجهة أو محاولة للتحقق أو البحث عن الأدلة قبل اتخاذ قرار لا رجعة فيه، ولذلك يبدو هذا الحدث أقرب إلى المبالغة الفنية التي تهدف إلى إبراز مأساوية القصة، وإظهار مدى خطورة الغيرة إذا سيطرت على الإنسان، أكثر من كونه تصويرًا دقيقًا لما حدث في الواقع، ويزداد هذا الشك عندما نقرأ أشعار ديك الجن التي قيل إنه نظمها بعد مقتل زوجته، فقد صُورت هذه الأشعار على أنها اعتراف بالذنب وندم لا ينتهي، حتى أصبح الشاعر نموذجًا للرجل الذي دمر حياته بيده، غير أن هذه الصورة قد تكون هي الأخرى نتاجًا لقراءة لاحقة ربطت بين الشعر والقصة، فمن الممكن أن تكون بعض القصائد قد قيلت في ظروف مختلفة، ثم جرى توظيفها لخدمة الرواية، أو أن بعض الروايات نسبت هذه الأشعار إلى الحادثة لإضفاء مزيد من التأثير العاطفي عليها، فليس كل شعر حزين دليلًا على صحة الرواية التي ارتبط بها، ولا يمكن اتخاذ الشعر وحده دليلًا تاريخيًا قاطعًا، لأنه في جوهره تعبير فني يقوم على المبالغة والتصوير أكثر من اعتماده على التوثيق.                ومن زاوية نقدية أخرى، يمكن التشكيك في شخصية الزوجة نفسها، إذ تُقدَّم في أغلب الروايات على أنها مثال للطهر والوفاء، ثم تُقتل ظلمًا دون أن تتمكن من الدفاع عن نفسها، وهذه الصورة المثالية قد تكون مقصودة لإبراز مأساوية الحدث، لأن براءة الزوجة تجعل الندم أكثر قسوة، وتجعل القارئ يتعاطف معها ومع ديك الجن في الوقت نفسه، ولو كانت الرواية قد تركت أمر براءتها أو إدانتها مفتوحًا، لما حققت التأثير الدرامي نفسه، ولهذا يمكن القول إن صورة الزوجة ربما تعرضت هي الأخرى للتجميل الأدبي حتى تصبح رمزًا للبراءة التي يفتك بها الشك.
وتثير نهاية القصة أيضًا كثيرًا من علامات الاستفهام، إذ تذكر الروايات أن ديك الجن اكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان، فعاش بقية حياته أسيرًا للندم، يزور قبر زوجته ويرثيها بأبيات مؤثرة، وهذه النهاية تبدو مكتملة العناصر من الناحية الفنية؛ فهي تجمع بين الجريمة والاعتراف والندم والعقاب النفسي، وهي عناصر نجدها في كثير من المآسي الأدبية العالمية، ولذلك يمكن التساؤل: هل جاءت هذه النهاية نتيجة وقوع الأحداث فعلًا، أم أنها صيغت بهذه الصورة لأنها تحقق ما يحتاج إليه البناء القصصي من خاتمة مؤثرة تترك أثرًا في نفس المتلقي؟ إن اكتمال العناصر التراجيدية في القصة قد يكون دليلًا على تدخل الخيال الأدبي في تشكيلها.
ولا يقف أسلوب التشكيك عند مناقشة الشخصيات والأحداث، فقد امتد إلى الهدف الذي أراد الرواة تحقيقه من خلال القصة، فمن الواضح أن الرواية تحمل رسالة أخلاقية تدعو إلى عدم الانسياق وراء الإشاعات، وإلى التثبت من الأخبار قبل إصدار الأحكام، وإلى الحذر من الغيرة العمياء التي قد تدفع الإنسان إلى ارتكاب أخطاء لا يمكن إصلاحها، وعندما تحمل القصة هذا القدر من الوعظ، فإن احتمال خضوعها لإعادة الصياغة الأدبية يصبح أكبر، لأن الأدب كثيرًا ما يوظف الأحداث التاريخية لخدمة غاية تربوية أو أخلاقية، فيضيف إليها أو يحذف منها ما يجعل الرسالة أكثر وضوحًا وتأثيرًا.
كما يمكن ملاحظة أن القصة تعكس نظرة المجتمع القديم إلى مفاهيم الشرف والثقة والغيرة، وهي مفاهيم كانت تؤثر في سلوك الأفراد بصورة كبيرة، ومن المحتمل أن تكون بعض تفاصيل القصة قد صيغت بما ينسجم مع هذه الثقافة الاجتماعية، لا بما يطابق الوقائع التاريخية، فالرواة لم يكونوا يهدفون دائمًا إلى نقل الحدث كما وقع، وإنما إلى تقديم نموذج أخلاقي يرسخ قيم المجتمع ويحذر من عواقب الانحراف عنها، ولذلك اختلطت الحقيقة بالخيال في أثناء انتقال الرواية عبر الأجيال.
وعند المقارنة بين المصادر المختلفة التي تناولت القصة، يتبين أن بعضها يركز على الجانب التاريخي، بينما يهتم بعضها الآخر بالجانب العاطفي، في حين يبالغ بعضها في تصوير الحب والغيرة والندم، وهذا الاختلاف يكشف أن كل راوٍ أعاد تشكيل الحكاية وفق رؤيته الخاصة، مما يجعل الوصول إلى الحقيقة التاريخية الكاملة أمرًا بالغ الصعوبة، ولذلك فإن القارئ الناقد لا ينبغي أن يتعامل مع القصة بوصفها حقيقة مطلقة، وفي ضوء هذه القراءة، يمكن القول إن قصة ديك الجن نص أدبي مركب تتداخل فيه الوقائع التاريخية مع الإضافات الفنية التي منحتها خلودها، فلو كانت القصة مجرد حادثة تاريخية عادية لما بقيت حية في الذاكرة الأدبية حتى اليوم، ولكن ما منحها هذا الحضور هو قدرتها على تصوير صراع إنساني خالد بين الحب والشك، وبين الثقة والخيانة، وبين الاندفاع والعقل، ومن هنا فإن قيمتها لا تكمن في إثبات صحة جميع أحداثها، وإنما في قدرتها على إثارة التفكير والنقاش حول طبيعة الإنسان وعواقب التسرع في إصدار الأحكام.
وبذلك تقودنا القراءة النقدية القائمة على أسلوب التشكيك إلى نتيجة مفادها أن الحقيقة والخيال قد امتزجا في قصة ديك الجن امتزاجًا يصعب فصله، وأن كثيرًا من أحداثها يحتمل أن يكون قد تعرض للإضافة أو التعديل مع مرور الزمن، غير أن هذا لا يقلل من قيمتها الأدبية، لأنها تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية تحول الحدث التاريخي إلى عمل أدبي يحمل أبعادًا إنسانية ونفسية وأخلاقية تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتدفع القارئ إلى التأمل في خطورة الشك، وأهمية التثبت من الأخبار، وضرورة تغليب العقل على الانفعال قبل اتخاذ القرارات التي قد تغيّر مصير الإنسان إلى الأبد.
ومما يزيد هذه الرواية إثارةً للشك أن ديك الجن، بحسب ما ترويه المصادر، لم يُحاكم ولم يُقتص منه بعد قتله زوجته، مع أن الشريعة الإسلامية تقرر وجوب القصاص في القتل العمد، ولا تبيح للإنسان أن ينفذ العقوبة بنفسه بناءً على مجرد الظن أو الشبهة، وهذا يثير تساؤلًا حول سبب خلو الروايات من أي إشارة إلى مساءلته قضائيًا، رغم أن مثل هذه الجريمة لا تُترك دون نظرٍ من القضاء.
وقد قرر الفقهاء هذا الأصل بوضوح؛ إذ قال ابن قدامة في المغني: « وإذا قتل رجلًا وادعى أنه وجده مع امرأته… لم يُقبل قوله إلا ببينة، ولزمه القصاص »، ثم نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: «إن لم يأتِ بأربعة شهداء فليُعطَ برمته»، مبينًا أن مجرد الدعوى أو الشك لا يسقط القصاص، وأن إثبات مثل هذه التهمة لا يكون إلا ببينة معتبرة، كما استثنى الفقهاء حالة إقرار أولياء الدم بصدق دعوى القاتل، فلا يثبت القصاص حينئذٍ، واستدلوا بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة الرجل الذي قتل من وجده مع امرأته.
وبناءً على ذلك، فإن الرواية المنسوبة إلى ديك الجن تثير إشكالًا تاريخيًا وفقهيًا؛ إذ لو صح أنه قتل زوجته اعتمادًا على وشاية أو شك، دون بينة أو اعتراف من أولياء الدم، لكان مقتضى أحكام الشريعة أن يُحال إلى القضاء ويُطالب بالقصاص، أما غياب أي ذكر لمحاكمة أو مساءلة قضائية في أكثر الروايات، فإنه يدعو إلى إعادة النظر في دقة هذه التفاصيل، ويعزز احتمال أن تكون بعض عناصر القصة قد صيغت أو نُقلت في إطار أدبي أكثر من كونها تسجيلًا تاريخيًا دقيقًا.