بين التعليم الكلاسيكي والتعليم المعاصر: أزمة صناعة الإنسان أم أزمة صناعة الشهادات؟ 

بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.

 

إن الحديث عن التعليم ليس حديثًا عن مؤسسة من مؤسسات الدولة فحسب، بل هو حديث عن مستقبل الأمة بأكملها، وعن العقل الذي سيقودها، واليد التي ستبنيها، والضمير الذي سيحفظ قيمها، والوعي الذي سيحميها من الجهل والتبعية والانقياد. فالتعليم عبر التاريخ لم يكن مجرد عملية نقل معلومات من المعلم إلى الطالب، وإنما كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا لصناعة الإنسان القادر على التفكير، والتحليل، والإبداع، واتخاذ القرار، والتمييز بين الحق والباطل، وبين العلم والخرافة، وبين المعرفة والدعاية. ولذلك كانت الأمم التي احترمت التعليم هي الأمم التي امتلكت أسباب القوة، بينما دفعت الأمم التي أهملته أثمانًا باهظة في السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن والاستقرار.

ولسنوات طويلة ظل التعليم التقليدي الكلاسيكي هو الإطار الذي تشكلت فيه أجيال كاملة من العلماء والأطباء والمهندسين والقضاة والأدباء والمفكرين. وكان هذا التعليم يقوم على علاقة مباشرة بين المعلم والطالب، داخل غرفة الصف، حيث يتولى المعلم مسؤولية الشرح والتفسير والمتابعة والتقويم، بينما يتلقى الطالب المعرفة بصورة منظمة ومتدرجة، مع الاعتماد على الكتاب المدرسي بوصفه المرجع الأساسي. وقد خرج من هذا النظام علماء ومبدعون تركوا بصماتهم في مختلف العلوم والآداب، ولم يكن التعليم آنذاك مثاليًا أو خاليًا من العيوب، فقد كان يُنتقد أحيانًا بسبب اعتماده على الحفظ والتلقين، وضعف الاهتمام بالإبداع والبحث العلمي، إلا أنه كان يمتلك عنصرًا بالغ الأهمية، وهو وضوح المسؤولية؛ فالمعلم مسؤول عن التعليم، والمدرسة مسؤولة عن الطالب، والدولة مسؤولة عن توفير البيئة التعليمية، والأسرة مسؤولة عن المتابعة، وكانت هذه الأدوار متكاملة إلى حد بعيد.

ومع التطور التكنولوجي الهائل، وظهور الإنترنت، والهواتف الذكية، والمنصات الرقمية، وانتشار التطبيقات التعليمية، بدأت الدعوات تتصاعد نحو ما سُمي بالتعليم الحديث أو التعليم المعاصر، وهو تعليم يعتمد على الوسائل الرقمية، والمنصات الإلكترونية، والمكتبات الرقمية، والبطاقات التعليمية، والفيديوهات المسجلة، والتعلم الذاتي، والتفاعل الإلكتروني، والتقويم المستمر. ولا شك أن هذه الأدوات تحمل في ذاتها إمكانات كبيرة إذا استُخدمت بصورة صحيحة، فهي تتيح الوصول إلى مصادر علمية عالمية، وتمنح الطالب فرصة إعادة الدرس أكثر من مرة، وتساعد في تنويع أساليب التعلم، كما أنها تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين، وتفتح آفاقًا واسعة أمام البحث والاستكشاف.

غير أن المشكلة لم تكن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في الطريقة التي جرى بها توظيفها، وفي تحويلها من وسائل مساعدة إلى بديل عن المدرسة، ومن أدوات داعمة إلى تجارة واسعة تدر مليارات على أصحاب المنصات والدروس الخاصة والمراكز التعليمية. وأصبح الطالب في كثير من البيئات العربية لا يكتفي بالمدرسة، بل ينتقل بعد انتهاء دوامه إلى مركز تعليمي، ثم إلى منصة إلكترونية، ثم إلى دروس خصوصية فردية، ثم إلى بطاقات ومذكرات ملخصة، حتى غدا التعليم سلسلة طويلة من النفقات التي لا تنتهي، وأصبح الكتاب المدرسي في كثير من الأحيان مجرد ورقة رسمية لا يعتمد عليها الطالب اعتمادًا حقيقيًا.

وقد ترتب على ذلك تحول خطير في فلسفة التعليم، إذ انتقل الاهتمام من بناء العقل إلى اجتياز الامتحان، ومن فهم المعرفة إلى تحصيل العلامة، ومن تنمية التفكير إلى حفظ الإجابات النموذجية. فأصبح كثير من الطلبة يسألون: ماذا سيأتي في الامتحان؟ بدلًا من أن يسألوا: ماذا تعلمنا؟ وأصبح معيار النجاح هو الدرجة الرقمية، لا مستوى الفهم، ولا القدرة على التحليل، ولا مهارة حل المشكلات.

ومن أخطر النتائج التي أفرزها هذا الواقع انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية حتى أصبحت في بعض المجتمعات العربية جزءًا من الثقافة التعليمية السائدة، بل إن بعض الأسر أصبحت تنظر إليها باعتبارها ضرورة لا غنى عنها، حتى لو كان الطالب متفوقًا. وتحولت الدروس الخصوصية من استثناء يلجأ إليه بعض الطلبة عند الحاجة إلى قاعدة عامة تشمل معظم الطلاب، وهو تحول يحمل دلالات خطيرة على تراجع ثقة المجتمع بقدرة المدرسة وحدها على أداء رسالتها.

ولا يمكن إنكار أن بعض المعلمين يقدمون دروسًا خصوصية بدافع تحسين أوضاعهم الاقتصادية في ظل تدني الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة، وهذه قضية تستحق المعالجة العادلة، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الدروس الخصوصية بديلًا عن أداء الواجب داخل المدرسة، أو عندما يُضعف بعض المعلمين مستوى الشرح في الصف لزيادة الإقبال على الدروس الخاصة، فهنا يتحول التعليم من رسالة إلى تجارة، ومن واجب أخلاقي إلى منفعة مالية، وهو أمر ينعكس سلبًا على الطالب والأسرة والدولة معًا.

لقد أثقلت هذه الظاهرة كاهل الأسر العربية بصورة غير مسبوقة، فأصبحت ميزانيات كثير من العائلات تُستنزف في رسوم المراكز التعليمية، والاشتراكات الإلكترونية، والكتب المساندة، والملخصات، والدروس الفردية. وفي بعض الأحيان تضطر الأسرة إلى الاستدانة أو التخلي عن احتياجات أساسية من أجل توفير نفقات التعليم، لأن المنافسة أصبحت شرسة، والخوف من الرسوب أو انخفاض المعدل يدفع الجميع إلى الإنفاق بلا حدود.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذه الأموال الضخمة التي تُصرف على التعليم الموازي كان يمكن أن تُستثمر في تحسين المدارس الحكومية، وتطوير المختبرات، وتحديث المناهج، وتأهيل المعلمين، وإنشاء المكتبات، وتوفير البيئة التعليمية المناسبة. لكن الواقع أوجد اقتصادًا موازيًا للتعليم الرسمي، يقوم على المراكز والمنصات والملخصات، حتى أصبح لبعضها تأثير يفوق تأثير المدرسة نفسها.

أما من الناحية التربوية، فإن الاعتماد المفرط على الملخصات والبطاقات المختصرة أضعف عادة القراءة العميقة، وأفقد الطالب الصبر على النصوص الطويلة، وجعله يبحث دائمًا عن المعلومة السريعة، والجواب المختصر، والحل الجاهز. وهكذا تراجعت القدرة على التحليل والاستنباط، وضعفت ملكة النقد، وأصبح كثير من الطلبة يحفظون دون أن يفهموا، ويجيبون دون أن يحللوا، وينجحون دون أن يمتلكوا المعرفة الحقيقية.

ومن المؤشرات المقلقة أيضًا أن سوق العمل في كثير من الدول أصبح يشتكي من وجود خريجين يحملون شهادات جامعية، لكنهم يفتقرون إلى المهارات الأساسية في الكتابة، والقراءة، والتواصل، والتفكير المنطقي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي. وهذا لا يعني أن جميع الخريجين كذلك، لكنه يعكس وجود فجوة بين الشهادة والكفاءة، وبين النجاح الأكاديمي والقدرة العملية.

ولذلك شاع التعبير القائل إننا أصبحنا ننتج أجيالًا تحمل شهادات أكثر مما تحمل معرفة. وهذه العبارة، وإن كانت قاسية، فإنها تعبر عن مشكلة حقيقية تتمثل في تضخم الشهادات مقابل تراجع جودة المخرجات التعليمية. فليست قيمة الشهادة في الورق الذي كُتبت عليه، وإنما في مقدار العلم الذي تمثله، وفي الكفاءة التي تعكسها، وفي الشخصية التي صنعتها.

ولا يجوز في الوقت نفسه أن ننكر الجوانب الإيجابية للتعليم الحديث، فالعالم يتغير بسرعة، ولا يمكن العودة إلى الماضي كما هو، ولا يمكن رفض التكنولوجيا أو محاربة المنصات الرقمية لمجرد وجود سوء استخدام لها. فالطالب اليوم يستطيع الوصول إلى محاضرات أفضل الجامعات العالمية، ويمكنه الاطلاع على أحدث الأبحاث، ومتابعة التجارب العلمية، والتواصل مع الخبراء، واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وكل ذلك يمثل فرصة تاريخية لتطوير التعليم إذا أُحسن توظيفه.

إن القضية الحقيقية ليست صراعًا بين التعليم التقليدي والتعليم الحديث، وإنما هي البحث عن التوازن بينهما. فالمعلم لا تستطيع المنصة أن تلغي دوره، كما أن المنصة لا ينبغي أن تُهمل. والكتاب الورقي ما زال يحتفظ بقيمته، لكن الكتاب الإلكتروني أصبح ضرورة أيضًا. والحصة الصفية تبقى أساس العملية التعليمية، غير أن الوسائل الرقمية يمكن أن تزيدها فاعلية.

ومن الناحية السياسية، فإن التعليم يمثل قضية أمن قومي، لأن الأمم التي يضعف تعليمها تضعف قدرتها على المنافسة والإنتاج والابتكار. ولا يمكن لأي دولة أن تحقق نهضة اقتصادية أو علمية إذا كانت مدارسها تنتج الحفظ بدل التفكير، والتلقين بدل الإبداع، والشهادات بدل الكفاءات. ولهذا فإن إصلاح التعليم ليس مشروع وزارة التربية وحدها، بل هو مشروع دولة ومجتمع بأكمله.

كما أن المناهج الدراسية تحتاج إلى مراجعة مستمرة حتى تكون مرتبطة بواقع الحياة، وسوق العمل، والبحث العلمي، وأن تركز على مهارات التفكير، والاستدلال، والابتكار، وريادة الأعمال، والذكاء الرقمي، واللغات، والعلوم، دون إهمال الهوية الوطنية والقيم الأخلاقية والثقافة العربية.

ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة الاعتبار إلى مكانة المعلم، فالمعلم الكفء هو حجر الأساس في أي إصلاح تعليمي. ويجب تحسين أوضاعه المهنية والاقتصادية، وتوفير التدريب المستمر له، ومحاسبة المقصر، وتكريم المبدع، حتى يشعر أن رسالته مصونة ومقدرة، وفي المقابل يجب أن تبقى مسؤوليته المهنية والأخلاقية تجاه طلابه واضحة لا لبس فيها.

أما الأسرة، فلا ينبغي أن تتخلى عن دورها التربوي، وأن تترك أبناءها أسرى للشاشات والمنصات، بل عليها أن تغرس فيهم حب القراءة، والانضباط، واحترام الوقت، والاعتماد على النفس، لأن التربية تبدأ من البيت قبل أن تصل إلى المدرسة.

إن الأمم العظيمة لم تبن حضاراتها بالدروس الخصوصية، ولا بالملخصات المختصرة، ولا بالاعتماد على الحلول الجاهزة، وإنما بنتها بالعلم الحقيقي، وبالمعلم القدوة، وبالمدرسة الفاعلة، وبالطالب الباحث، وبالأسرة الواعية، وبالسياسات التعليمية الرشيدة التي تجعل الإنسان غاية التنمية ووسيلتها.

إننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لفلسفة التعليم، بحيث يصبح الهدف صناعة العقل لا صناعة الشهادة، وبناء الإنسان لا مجرد تخريج الأعداد، وتنمية القدرة على التفكير لا مجرد اجتياز الامتحانات. كما ينبغي تنظيم سوق الدروس الخصوصية والحد من تحولها إلى بديل عن المدرسة، مع توفير تعليم مدرسي قوي يجعل الطالب يكتفي بما يتلقاه داخل الصف إلا في الحالات الاستثنائية.

وفي الختام، فإن التعليم التقليدي والتعليم الحديث ليسا خصمين متصارعين، وإنما هما وسيلتان يمكن أن تتكاملا إذا وُجدت الرؤية الصحيحة. فالتعليم التقليدي يمنح الانضباط والعلاقة الإنسانية المباشرة، والتعليم الحديث يمنح المرونة والانفتاح على المعرفة العالمية. أما الخطر الحقيقي فهو حين تضيع الرسالة التربوية، ويتحول التعليم إلى سلعة، وتصبح الشهادة غاية في ذاتها، ويغيب التفكير النقدي والإبداعي عن الأجيال. وعندئذ نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة؛ أعداد متزايدة من حملة الشهادات، لكن قلة في العلماء والمفكرين والمبدعين، وكثرة في المعلومات المتناثرة، لكن ندرة في الحكمة، وتقدم في الوسائل، يقابله تراجع في الغايات. وإن إنقاذ التعليم لا يكون برفض الجديد ولا بتمجيد القديم، بل ببناء منظومة تعليمية متوازنة، عادلة، وعميقة، تجعل المدرسة مركزًا حقيقيًا للمعرفة، والمعلم قائدًا تربويًا، والطالب باحثًا عن الحقيقة، والأسرة شريكًا في التربية، والدولة ضامنًا لجودة التعليم وعدالته، حتى تعود المدرسة مصنعًا للعقول، لا مجرد محطة للحصول على شهادة، ويعود التعليم قوة تصنع نهضة الأمة، لا عبئًا يرهق الأسر أو طريقًا مختصرًا إلى أوراق تثبت النجاح بينما يبقى العقل في حاجة إلى مزيد من العلم والتفكير.

 

بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.

المفرق-الأردن.

٣ يوليو ٢٠٢٦م.