الانترلواوجيا والسلوكيات الإنسانية

ا.د حمام محمد….جامعة الجلفة…الجزائر
التشناف بين العادة الاجتماعية والتعبير الفيزيولوجي للدلالة الرمزية
-التشناف- لا يمكن النظر إليه بوصفه سلوكًا فقط، بقدر ما هو عادة اجتماعية، تُكتسب في لحظات التفوق، وتُمارس في سياق الفرح أو الشعور بالامتياز، وكأن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى كبح تلك المتعة أو ضبطها عبر ملامح الوجه. ومع مرور الزمن، صار كل فرد يمارس التشناف بطريقته الخاصة، حتى كاد يتحول إلى سمة شبه ثابتة، بل إلى ظاهرة فيزيولوجية ملازمة للتعبيرات الوجهية عند بعض الأشخاص.
إنه شعور بالتفوق من جهة واحدة، بينما يراه الآخرون دلالة على الهيمنة أو التعالي. وتكمن الإشكالية في كونه مرتبطًا بثنائية أساسية: ثقافة اجتماعية سائدة من جهة، وسلوك إنساني فردي من جهة أخرى، حيث يعبر التشناف عن التقزز أو الرفض أو عدم التقبل، سواء تعلق الأمر بالأقوال أو الأفعال أو حتى نجاحات الآخرين. وقد يختلط أحيانًا بالغيرة، فتتشكل منه مجموعة من الانفعالات تُختزل في تعبير واحد يظهر على الوجه من خلال شدّ الشفتين وتقطيب الحاجبين، بما يجعل منه صورة نمطية يتفق عليها الناس في تمثّلهم لهذا السلوك.
ولو طُلب من أي شخص، في أي مكان، أن يصف إنسانًا “مُتَشَنِّفًا”، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى هذه الملامح نفسها، مما يدل على أن تعريف الظاهرة مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالقسمات الوجهية، أي إنها حالة فيزيولوجية تعكس سلوك عدم الملاءمة مع سلوك الآخرين، أو تعبير جسدي عن رفض لا يُصرَّح به لفظيًا.
ومن هذا المنظور، يتحول التشناف إلى علامة سيميائية ذات بعد رمزي، لها صلة بما ذهب إليه بيير بورديو حول العنف الرمزي، إذ يصبح الوجه أداة لإنتاج رسالة غير لفظية تحمل معنى الرفض أو التقليل من شأن الآخر، وقد تتخذ أحيانًا طابعًا قريبًا من فوبيا الآخر أو التوجس منه، وكأنها رسالة ضمنية تمنعه من الاستمرار في نفس المسار، مع تأكيد لحظة الرفض.
وعند النظر إلى هذه الظاهرة داخل المؤسسات، يمكن ملاحظة اختلاف تمظهراتها بين المسؤول والإداري والموظف البسيط؛ حيث يظهر التشناف في صورة العزوف عن استقبال الآخر، أو في شكل التكشير المباشر في وجهه، بينما يتجلى عند العامة في حركات سيميائية أو كلمات مقتضبة مشحونة بالانفعال.
إن المسألة لا تتعلق بالشكل الظاهري فقط، بل بنية التشناف ذاتها، فهو ليس حالة نهائية ثابتة، بل وضع انفعالي قابل للتغير، لأن ما يظهر على الوجه هو انعكاس مباشر لحالة ذهنية مرتبطة بكيفية إدراك الآخر وتقييم أفعاله.
وغالبًا ما يؤدي هذا السلوك، إذا تكرر، إلى العزوف عن التواصل أو إلى الاكتفاء بإجابات مختصرة تقوم على الرفض أو القبول الحاد، وهو ما يتقاطع مع ما أشار إليه ياكبسون في حديثه عن وظيفة اللغة، حيث تقوم الوظيفة التواصلية على وضوح الإجابة (نعم/لا) لتفادي التوتر وسوء الفهم.
ومن الناحية الإدارية، فإن انتشار هذا السلوك داخل المؤسسات يؤدي إلى تعقيد العلاقات المهنية وخلق نزاعات غير مباشرة، يكون مصدرها سوء الفهم والانغلاق الانفعالي. بينما يقابل ذلك سلوك آخر قائم على الاحترام المتبادل والابتسامة المهنية، الذي يساهم في تخفيف التوتر وإعادة بناء العلاقات داخل بيئة العمل.
وعليه، فإن دراسة هذه الظاهرة تكشف إشكالًا جوهريًا يتمثل في أن استمرار التشناف يقود إلى أزمة تواصل، وقد بينت الدراسات الإثنوغرافية أن مثل هذه السلوكيات داخل الوسط المهني لا تنتج نزاعات واقعية فقط، بل أيضًا نزاعات متخيلة تتشكل داخل الوعي الفردي، لكنها تؤثر فعليًا في طبيعة العلاقات الاجتماعية.
وبذلك، فإن التشناف يبقى ظاهرة مركبة تجمع بين الفيزيولوجي والرمزي والاجتماعي، وتحتاج إلى مقاربة تحليلية أعمق تتجاوز الوصف إلى تفكيك البنى التي تنتجه، وإعادة التفكير في آليات التواصل الإنساني داخل الفضاءات الاجتماعية والمؤسساتية.