قاطعتُ الزهور

قاطعتُ الزهور

حتى تلك الزهرةُ

رأيتُها في يدِ كلِّ عابرِ سبيل.

حين وضعتْها في كفّي ظننتُ أن الربيعَ اختار عنواني وحدي، وأن الأشجارَ أرسلت غصنًا بعد أن كتبت اسمي على جذوعها.

لكنني، كلما مررتُ بوجهٍ جديد، رأيتُ الرائحةَ ذاتها تتنقّل بين الأكفِّ كأنها بطاقةُ عبور، لا اعترافًا.

فهمتُ متأخرًا أنها لم تُهدني زهرة، بل نسخةً من عادةٍ قديمة كانت تُتقن توزيعها على الجهات الأربع.

ومنذ ذلك اليوم، كلما دعاني الوردُ أدرتُ وجهي.

ليس لأن الأشواكَ أوجعتني، بل لأن العطرَ فقد نداءه، وصار يعرف أبوابًا أكثر مما ينبغي.

صرتُ أمرُّ على الحدائق كما يمرُّ الناجي بجوار بيتٍ احترق: لا يكره الجدران، لكن الدخان يُعيد إليه ما حاول نسيانه.

وأيقنتُ أن بعضَ الهدايا لا تموتُ حين تذبل، بل حين نكتشف أنها كانت تتكرّر بالابتسامة نفسها، وباليد نفسها، وبالوعد نفسه.

لذلك… لم أقاطعها هي.

قاطعتُ الزهور، حتى لا أضطرَّ كلَّ مرةٍ أن أسأل الرائحة: لمن كانت قبل أن تصل إليّ؟

أحمد جلال بكري