الجري وراء “التريند”.. حين تبتلع المشاهدات قيم المجتمع

بقلم: يسري سلطان

نعيش اليوم في زمن باتت فيه “اللقطة” أهم من الحقيقة، وأصبحت الملاحقة الهستيرية لما يُسمى بـ “التريند” هوساً جماعياً يصاب به الكثير من الشباب والناس على حد سواء. هذا الركض الأعمى وراء الشهرة الافتراضية وزيادة المشاهدات لم يعد مجرد تسلية، بل تحول إلى سلوك خطير يهدد مصائر الأبرياء، ويهدم ثوابت المجتمع الأخلاقية.

لعل من أبرز الشواهد التي استوقفتني مؤخراً، ودقت ناقوس الخطر، قصتان تعكسان مدى السطحية وسوء النية التي خلفها هذا الهوس:

من لقطة بريئة إلى تهمة

في الحادثة الأولى، كان هناك شاب يستقل سيارة “ميكروباص” متجهة إلى مدينة طنطا. وخلال رحلته، دفعه الشوق وحب الطبيعة إلى إخراج هاتفه ليلتقط صوراً عادية ومشاهد ريفية للأشجار والترعة، ليرسلها إلى خطيبته مشاركاً إياها تفاصيل يومه.

لكن المفارقة الصادمة حدثت عندما رأته امرأة تجلس في المقعد الخلفي؛ وبدلاً من إحسان الظن، التقطت له صورة خفية، وراحت تدعي وتصرخ بأنه “جاسوس”، وصممت على اصطحابه إلى قسم الشرطة! وهناك، تبخرت ادعاءاتها الزائفة حين تبين أن الشاب لم يصور سوى مشاهد طبيعية عادية جداً. لقد تسرعت السيدة في صناعة “تريند” وقصة وهمية كادت أن تدمر مستقبل شاب بريء لم يقترف إثماً.

صفعة على وجه الوقار

ولم تمر أيام حتى صدمنا مشهد آخر؛ شاب يعتدي بالضرب ويوجه “صفعة” على وجه رجل مسن، بزعم أن هذا الشيخ يتحرش بفتيات الثانوية العامة! وبمجرد انتشار صورة الرجل المسن، ضجت منصات التواصل بشهادات كل من يعرفه، مؤكدين حسن أخلاقه، ونقاء سريرته، وطيبة قلبه، فضلاً عن أن ملامحه ووقاره لا يمكن أن يوحي أبداً بما نُسب إليه. لقد استحل هذا الشاب كرامة رجل في عمر أبيه لمجرد شهوة “البطولة الزائفة” وتصدر “التريند”.

تشويه الهوية والأصالة المصرية

إن هذا الوباء الرقمي لم يتوقف عند تدمير الأبرياء، بل امتد ليدمر البيوت. بتنا نرى ظواهر غريبة وخارجة عن مجتمعنا، حيث تخرج علينا نساء بملابس غير لائقة، ويتلفظن بكلمات بذيئة وخادشة للحياء، وللأسف الشديد، نجد الزوج يقف خلف الكاميرا ليكون هو من يصورها!

هؤلاء يتنازلون عن النخوة والستر مقابل حفنة من “اللايكات” والأموال الزائفة.

إن هذه المناظر والأشكال المشوهة غريبة تماماً عن العادات المصرية الأصيلة، وعن مجتمعنا الذي طالما تميز بالشهامة، والقيم، والأخلاق، واحترام الكبير، وصون العِرض.

إن ما نحتاجه اليوم مواجهة حاسمة مع أنفسنا. إن الرجوع إلى الثوابت، والتمسك بالأخلاقيات، والتربية الاصيلة هو طوق النجاة الوحيد. يجب أن يدرك الجميع أن:

الحقيقة أثمن من أن تُقايض بمشاهدات مؤقتة.

أعراض الناس وكرامتهم ليست مادة لصناعة المحتوى.

البيوت لها حرمة، والرجولة والشهامة قيم لا تباع ولا تشترى.

دعونا نوقف هذا الجري الأعمى، ونعيد لـ “الأصالة المصرية” مكانتها قبل أن تبتلعنا شاشات الهواتف وتفقدنا إنسانيتنا.

يسرى سلطان