جدل العقيدة بين احمد الكاتب والدكتور علي المؤمن .

بقلم: لطيف الشيخ

(كاتب عراقي)

.

يُمثّل أحمد الكاتب تياراً نقدياً إصلاحياً داخل البيئة الشيعية، يقوم على إعادة فحص المسلمات التاريخية والعقدية، وخاصة ما يتعلق بنظرية الإمامة والغيبة. وقد اشتهر بمشروعه النقدي حول “الإمام الثاني عشر” وتاريخ تشكّل العقيدة الإمامية، وبقراءته السياسية للفكر الشيعي بوصفه تطوراً تاريخياً لا منظومة ثابتة منذ البداية.

.

في المقابل، ينطلق الدكتور علي المؤمن من مقاربة تعتبر أن العقيدة الإمامية ليست مجرد سردية تاريخية قابلة للتفكيك، بل بنية معرفية متكاملة تشكّلت عبر تراكم فقهي وكلامي وروحي، وأن نقدها لا يمكن أن يعتمد فقط على المناهج التاريخية الحديثة أو معايير التوثيق المعاصرة.

.

أحد أهم أبعاد هذا السجال يتمثل في اختلاف “مرجعية المعرفة”. فأحمد الكاتب يميل إلى مركزية التاريخ النقدي، ويُخضع الروايات التراثية لمعايير التحقق التاريخي والعقلاني، وهو ما يقوده إلى التشكيك في بعض البنى العقدية التقليدية. أما علي المؤمن فيتعامل مع التراث الإمامي بوصفه “منظومة تفسيرية” لها منطقها الداخلي، ويرى أن اختزالها إلى مجرد وثائق تاريخية يؤدي إلى تفكيك البعد الرمزي والروحي للمذهب.

.

كما يكشف الحوار عن صراع ضمني بين مفهومين للهوية الشيعية:

.

1- هوية “عقدية ـ تراثية” ترى الاستمرارية التاريخية أساسًا للتماسك المذهبي.

.

2- وهوية “إصلاحية ـ نقدية” تسعى إلى إعادة بناء الفكر الشيعي على أسس عقلانية وتاريخية جديدة.

.

ومن اللافت أن الجدل بين الطرفين لا يجري في فضاء الحوزة التقليدية فقط، بل عبر YouTube ومنصات الإعلام الرقمي، ما يعكس تحوّل المجال الديني من سلطة النخبة المغلقة إلى فضاء عمومي مفتوح. هذا التحول يمنح الجمهور دورًا جديدًا في تقييم الخطاب الديني، ويحوّل النقاشات العقدية إلى جزء من الثقافة العامة لا من الدراسات التخصصية وحدها.

.

وتشير دراسات حول المحتوى الجدلي على يوتيوب إلى أن المنصات الرقمية تعيد تشكيل أنماط الاستقطاب الفكري وطريقة تداول الأفكار الدينية والسياسية.

.

ويمكن قراءة هذا السجال بوصفه انعكاساً لأزمة أوسع يعيشها الفكر الديني المعاصر: أزمة التوفيق بين “التراث” و”الحداثة النقدية”. فبينما يرى أحمد الكاتب أن بقاء الفكر الديني مرهون بقدرته على مراجعة مسلّماته، يخشى علي المؤمن من أن تؤدي هذه المراجعات إلى انهيار البنية الرمزية التي تحفظ استقرار الجماعة المذهبية وهويتها التاريخية.

.

لذلك فإن أهمية هذا الجدل لا تكمن فقط في موضوع الإمامة أو الغيبة، بل في كونه يكشف عن:

.

1- تحوّل النقاش الشيعي من الدفاع إلى المراجعة.

.

2- صعود المثقف الديني المستقل خارج المؤسسة التقليدية.

.

3- تأثير الإعلام الرقمي في إعادة تشكيل السلطة المعرفية.

.

4- انتقال الخلافات المذهبية من المجال الفقهي إلى المجال الثقافي والفلسفي.

.

وبهذا المعنى، فإن السجال بين أحمد الكاتب وعلي المؤمن يمثل مرحلة من مراحل “إعادة تعريف الذات الإمامية” في العصر الحديث .