حين تُزهر الخسارات

د. لورانس نعمة الله عجاقة

 

ليست كلُّ النهاياتِ موتًا، ولا كلُّ الأبوابِ المغلقةِ حرمانًا. فكم من بابٍ أوصدته الحياة في وجوهنا، بينما كانت السماء تفتح لنا نافذةً لا تراها أعيننا المرهقة. وما حسبناه عثرةً كان يدًا خفيّةً تُغيّر اتجاه الطريق، كي لا نمضي إلى هاويةٍ تزيّنت بأحلامنا.

بعضُ الأمنيات يشبه السراب؛ يلمع في الأفق حتى نركض نحوه، ثم يذوب بين أصابع الانتظار. نظنّ أن خيبته كسرتنا، لكنها في الحقيقة كانت مطرقةً ناعمةً تنحت في أرواحنا حكمةً لا تمنحها الأمنيات المتحققة.

وبعضُ الأشخاص كانوا فصولًا عابرةً في كتاب العمر، لا صفحاتٍ أخيرة. دخلوا حياتنا كالعابرين تحت شجرةٍ يستظلون بظلّها قليلًا ثم يمضون، تاركين وراءهم أوراقًا ذابلةً علّمتنا أن الجذور لا تتشبث إلا بمن يسقيها وفاءً.

ولحظاتُ الانكسار التي حسبناها ليلًا بلا فجر، كانت في حقيقتها رحمًا يولد منه إنسانٌ جديد. فالبذرة لا تصبح شجرةً إلا بعد أن تنشقّ، واللؤلؤة لا تولد إلا من وجعٍ يسكن أعماق المحار، والفجر لا يكتب أول سطوره إلا بعد أن يستنفد الليل كلَّ عتمته.

لا تحزن على ما غادر، فالخريف لا يسرق الأشجار، بل يهيئها لربيعٍ أكثر اخضرارًا. وما يسقط من أغصان العمر ليس دائمًا خسارة، بل قد يكون عبئًا آن له أن يغادر، ليترك القلب أخفَّ، والروح أوسع، والخطى أكثر يقينًا.

ومع مرور الأيام، ستلتفت إلى الوراء فتدرك أن ما بكيت عليه يومًا كان سياجًا من رحمةٍ أحاط بك، وأن اليد التي نزعت منك شيئًا كانت تُبعد عنك ما لا يليق بروحك. عندها فقط ستفهم أن الله لا يغلق بابًا إلا ليقودك إلى بابٍ أرحب، ولا يؤخر أمنيةً إلا ليمنحك ما هو أعمق من الأمنية نفسها: سلام القلب، ونضج الروح، ويقينًا لا تهزّه العواصف.