المعتزلة والأشاعرة: حرية الإنسان بين الاختيار والكسب

هل يملك الإنسان حرية حقيقية في اتخاذ قراراته، أم أن أفعاله محددة مسبقاً ودوره مقتصر على تنفيذ ما هو مرتب له؟ تمثل هذه المعضلة إحدى القضايا المحورية في البحث المتعلق بالمسؤولية الإنسانية ومفهوم العدل الإلهي في الفكر الإسلامي.

 

تمحورت الرؤية المعتزلية حول فكرة “العدل الإلهي” بوصفها أصلاً مطلقاً. رأى المعتزلة أنه يتعارض مع العدل أن يحاسَب الإنسان على أفعال لم يصنعها بإرادته المستقلة. ولتأسيس هذه المسؤولية على أساس متين، قرر المعتزلة أن الإنسان يملك قدرة وإرادة مستقلة يخلق بها أفعاله. فالله أودع في الإنسان القدرة، والإنسان هو من يُنجز الفعل ويتحمل نتائجه خيراً وشراً. وقد بذل المعتزلة جهداً مفاهيمياً كبيراً في الحفاظ على تنزيه الله عن خلق الأفعال القبيحة ذاتها.

 

في المقابل، طرحت المدرسة الأشعرية أطروحة مضادة انطلاقاً من الحرص على صون مفهوم التوحيد ومطلق القدرة الإلهية؛ إذ اعتبر الأشاعرة أن القول بأن الإنسان “يخلق” أفعاله ينطوي على إشكال في باب التوحيد، فلا خالق في الوجود إلا الله. وللتمييز بين موقفهم والجبرية البحتة التي تُسقط المسؤولية كلياً، صاغ الأشاعرة مفهوم “الكسب”: الله هو الخالق الفعلي لكل فعل، أما الإنسان فيُوجّه قصده وإرادته نحو الفعل لحظة وقوعه، فيقترن الفعل المخلوق إلهياً بالقصد الإنساني، وهذا الاقتران هو “الكسب” الذي يبني عليه الأشاعرة المحاسبة.

 

لتقريب هذا التمييز المفاهيمي، يمكن استخدام تشبيه من عالم الحوسبة. في الرؤية المعتزلية، الإنسان كمبرمج يكتب شيفرة البرنامج وينفذها، فتقع عليه مسؤولية نتائجها. أما في مفهوم “الكسب” الأشعري، فالإنسان كمستخدم يضغط على الزر لإعطاء أمر ما، بينما النظام الذي يُنجز العملية فعلياً هو القدرة الإلهية. المستخدم لا يخلق عملية الطباعة، لكن قصده وضغطه على الزر يجعله “مكتسباً” للفعل.

 

يكشف هذا الخلاف عن محاولة العقل الكلامي التوفيق بين مطلبين يبدوان في توتر: صون المسؤولية الإنسانية ومقتضيات العدل الإلهي من جهة، وصون شمول القدرة الإلهية وعدم الإشراك في الخلق من جهة أخرى.

 

الصفحة الرسمية للكاتب سالم يفوت