
سعيد صالح.. ضحكةٌ مُرّة خلف قضبان الخروج
بقلم: يسري سلطان
في حياة المبدعين لحظاتٌ فارقة، تتحول فيها المحنة إلى منحة، وتصبح عتمة السجن نافذةً يشرق منها نور الروح. لعلّ من أغرب مفارقات القدر، تلك التي باح بها “صانع البهجة” الفنان القدير سعيد صالح، في لقاءٍ تليفزيوني صادق ومؤثر مع الفنانة والإعلامية صفاء أبو السعود.
لم يتحدث سعيد صالح يومها عن مجد المسرح، ولا عن تصفيق الجماهير التي هزّت الصالات لسنوات، بل تحدث عن تلك الأيام العشرة الأخيرة له خلف القضبان، حين داهمه “اكتئاب الخروج”.
مفارقة الحرية والأسير
يقول سعيد صالح كلماته التي تقطر شجنًا وعمقًا:
”في آخر أيامي، يعني فاضل لي عشرة أيام، أصبت باكتئاب.. وذلك لأني هخرج من مكان كنت مشغول فيه جداً؛ عرفت ديني وصلاتي، وبقيت أقرأ قرآن وبالعب رياضة..”
تأملوا معي هذا التحول الروحي؛ فالرجل الذي ملأ الدنيا صخبًا وضجيجًا، وجد صخب النفس الحقيقي في محراب العزلة. تحول السجن في عينيه من معتقل للجسد إلى مدرسة للروح، صالَحَ فيها سجّادته، وتدبر آيات ربه، واستردّ لياقة بدنه ونقاء سريرته. أصبح المكان الضيق وطنًا لروحه المحلقة.
عنبر عنبر.. ووحشة العالم الخارجي
ولم تقف دهشة المبدع عند حدود الصلاة والقرآن، بل امتدت لتلمس البُعد الإنساني والاجتماعي الذي بناه داخل جدران السجن، فيتابع بأسى:
”وبعدين عارف كل واحد هنا.. عنبر عنبر، وكل عنبر باللي فيه.. خارج السجن مش عارف مين!”
إنها صرخة إنسانية ضد زيف العالم الخارجي واتساعه الموحش. في السجن، كان سعيد صالح يعرف رفاق المحنة بالاسم والوجع والقصة؛ كانت العلاقات عارية من الأقنعة والمجاملات، “عنبر عنبر”. أما في الخارج، فالمجهول ينتظره، عالمٌ واسع تضيع فيه الملامح، وتموت فيه الروابط الصادقة تحت وطأة المظاهر. كان يخشى الغربة في وطنٍ شاسع، بعد أن وجد الألفة في حيزٍ ضيق.
رحيل جسد وبقاء أثر
لقد عاش سعيد صالح حياته بالطول والعرض، وكان يملك قلبًا أبيض كقلوب الأطفال، وما اعترافه للفنانه صفاء أبو السعود إلا دليلاً على أن هذا الفنان لم يكن مجرد “مُضحك”، بل كان إنسانًا شديد الحساسية، يملك عين شاعر يرى الجمال والسكينة في أكثر الأماكن قسوة.
خرج سعيد صالح من سجنه، وخرج لاحقًا من دنيانا الفانية، لكنه ترك خلفه مواقف تُدرّس في الصدق مع النفس. عرف ربه، وتصالح مع ذاته، ورحل وهو يدرك أن الحرية الحقيقية هي حرية الروح وصداقة القلوب العارية من الزيف.
رحمة الله على الفنان القدير سعيد صالح، غفر الله له وأسكنه فسيح جناته، وظلّت ضحكته وكلماته الصادقة حية في قلوبنا وعقولنا.











