
الثقافة بين التحرر وإعادة إنتاج الهيمنة
بقلم الكاتبة ابتهال عبد الوهاب
لم تكن الثقافة في معناها الأعمق، مجرد تكديس للمعارف أو أرشيفا للذاكرة الجمعية، بل كانت دائما ذلك القلق الخلاق الذي يدفع الإنسان إلى مساءلة نفسه والعالم من حوله. إنها كما أرادها سقراط، حياة لا تستحق أن تعاش إن لم تخضع للفحص والنقد، وكما فهمها كانط، شجاعة استعمال العقل دون وصاية. ولذلك، لم تكن الثقافة الحية حافظة للمسلمات، بقدر ما كانت قوة دائمة لتحرير الإنسان من أصنامه الفكرية، وإخضاع كل يقين للمراجعة، وكل سلطة للمساءلة، وكل حقيقة للاختبار.
أما الثقافة التي لا تجرؤ على مساءلة السائد، ولا تمتلك القدرة على تفكيك ما تفرضه القوة أو تكرسه الوصاية، فهي ليست سوى جهاز آخر من أجهزة إعادة إنتاج الخضوع. إنها ثقافة تتحول، بتعبير أنطونيو غرامشي، إلى أداة للهيمنة الناعمة، حيث تنجح السلطة في جعل الناس يقبلون ما يفرض عليهم بوصفه أمرا طبيعيا لا يقبل الجدل. وحين تصبح الثقافة مجرد ترديد لما هو قائم، وتتحول إلى صدى للسياسة أو الدين أو العرف، فإنها لا تصنع وعيا، بل تصنع عقولا مستأنسة، وتؤسس لمجتمعات عاجزة عن التجدد، وشعوب تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الجهل.
لقد أدرك نيتشه أن كل نهضة تبدأ بتحطيم الأصنام، وأن أخطر الأصنام ليست تلك المصنوعة من الحجر، بل تلك التي تتخفى في هيئة حقائق مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. فالأمم لم تنهض لأنها أحسنت تكرار ما ورثته، بل لأنها امتلكت الجرأة على مساءلة يقيناتها والتمرد على المألوف. وما من حضارة عظيمة ولدت من رحم الطاعة العمياء، بل خرجت دائما من رحم الشك، ومن قدرة العقل على تجاوز ما هو كائن نحو ما ينبغي أن يكون. ولهذا كانت الفلسفة، منذ سقراط وحتى هابرماس، فعلا نقديا مستمرا وثورة دائمة على البداهات، لا خادما لها.
وحين تفقد الثقافة هذه الروح النقدية تتحول إلى احتفال فارغ بالماضي، وإلى مجموعة من الشعارات التي تمجد الأمس بينما تعجز عن فهم الحاضر أو صناعة المستقبل. وهنا يصبح المجتمع أسيرا لسلطات متعددة؛ سلطة الماضي، وسلطة الجماعة، وسلطة المقدس، وسلطة القوة التي تقدم نفسها باعتبارها الحقيقة النهائية. ومن هنا تبدأ صناعة الفشل الجماعي، لأن الإنسان الذي لا يتعلم كيف يشك، لن يتعلم كيف يبدع، والمجتمع الذي يخاف من النقد، سيخاف من الحرية، والأمة التي تعادي الأسئلة، لن تنتج سوى أجوبة ميتة.
ولذلك، حين يصبح الخضوع فضيلة، والطاعة حكمة، والتقليد هوية، يتحول الانحطاط إلى قدر، ويغدو العجز جزءا من تعريف الذات. فالهويات الفاشلة لا تولد من فراغ، وإنما تصنعها ثقافات فقدت قدرتها على تجاوز نفسها، وثقافات تخشى الحقيقة لأنها تدرك، في أعماقها، أن الحقيقة تبدأ دائما بالسؤال.
ومن هنا تتجلى مأساة المثقف. فأزمة المثقف لا تبدأ حين يضطهده السلطان أو الحاكم ، بل حين يتخلى هو نفسه عن رسالته ويتحول من ضمير يقظ إلى موظف لدى السلطة، أو حارس للموروث، أو أسير لمصالحه ومكانته الاجتماعية. عندئذ يفقد دوره بوصفه شاهدا على عصره وصانعا للأسئلة الكبرى، ويصبح، كما وصفه إدوارد سعيد، مثقفا مروضا يتنازل عن الحقيقة في سبيل القبول والامتياز. والمثقف الحقيقي لا يقاس بما يملكه من معرفة، بل بما يمتلكه من شجاعة أخلاقية تجعله ينحاز إلى الحقيقة حتى حين تكون مكلفة.
إن الثقافة ليست مخزنا للذكريات، بل أفق مفتوح على الممكن. إنها ليست حارسا للمألوف، بل قوة لإعادة خلق العالم. ولذلك، فإن وظيفة المثقف ليست تبرير الواقع كما هو، بل المساهمة في تغييره. وما لم تتحول الثقافة إلى فعل نقدي حر، فإنها ستتحول، مهما ازدانت بلغة الحكمة أو ارتدت أثواب القداسة، إلى جدار آخر في سجن الإنسان.
لقد كان هيغل يرى أن التاريخ هو تقدم الوعي بالحرية، ولم يكن هذا التقدم ثمرة الطاعة، بل ثمرة الصراع مع كل ما يعوق العقل. ولذلك، علينا أن ندرك أن الثقافة معركة مستمرة من أجل تحرير الإنسان من الخوف والوصاية والاستسلام. فحيثما يصمت العقل تحت وطأة القوة، يولد الخراب، وحيثما يخاف الإنسان من السؤال، تبدأ رحلة الانحدار. أما حين تتحول الثقافة إلى إرادة دائمة لتجاوز السائد وصناعة الممكن، فإنها تصبح الشرط الأول لبناء مجتمعات قادرة على الحياة، وشعوب جديرة بمستقبل يليق بكرامة الإنسان، وبالعقل الذي جعله الله أسمى ما في الإنسان.











