
كيف نعيش دون خوف ؟ .
.بقلم الكاتب منير عكاشة
.
لا نولد خائفين كما نظن، بل نتعلم الخوف كما نتعلم اللغة. يدخل إلينا بالتدريج، ويستقر في أعماقنا قبل أن نكتشف أنه أصبح جزءًا من شخصيتنا. يلقنوننا الخوف منذ الطفولة، ثم يسمونه حكمة. يزرعونه فينا، ثم يسمونه ضميرًا. يحاصروننا به، ثم يسمونه نظامًا ضروريًا للحياة.
يخاف الطفل من العقاب، ويخاف المراهق من الفشل، ويخاف البالغ من الفقر، ويخاف الشيخ من الموت، ثم يموت الجميع وهم يظنون أنهم كانوا يحافظون على حياتهم، بينما كانوا يحافظون على مخاوفهم فقط.
نعيش داخل طبقات متراكمة من الخوف حتى نعجز عن تمييزه من ذواتنا. نصبح سجناء أوفياء لحارس لا وجود له إلا داخل رؤوسنا.
لكن السؤال الحقيقي ليس: كيف نتخلص من الخوف؟
بل كيف أصبح الخوف سيدًا علينا إلى هذا الحد؟
لقد نجحت البشرية في صناعة حضارة كاملة تقوم على إدارة المخاوف. تديرها الدول بالخوف، وتديرها الأديان بالخوف، وتديرها الأسواق بالخوف، وتديرها العلاقات الإنسانية بالخوف أيضًا. حتى الحب نفسه كثيرًا ما يتحول إلى شكل مهذب من أشكال الخوف؛ نخاف الفقد أكثر مما نحب الآخر.
ولذلك لا يصبح الإنسان حرًا عندما ينتصر على خصومه، بل عندما يكتشف أن جزءًا كبيرًا من خصومه لم يكن موجودًا أصلًا.
يخاف الإنسان من المستقبل وكأنه حدث وقع بالفعل. ويخاف من الموت وكأنه سيبقى حيًا بعده. ويخاف من أحكام الناس وكأن الناس أنفسهم نجوا من هشاشتهم ونجحوا في إدارة حياتهم.
لكن الحقيقة أكثر سخرية من كل ذلك. فنحن نخاف بشرًا ضائعين مثلنا، ونخاف مصائر لم تحدث بعد، ونخاف آلهة رسمنا لها ملامحنا البشرية، ونخاف أفكارًا اخترعها أجدادنا ثم نسينا أنها من اختراعهم.
ليس الخوف دائمًا استجابة للخطر، بل هو في كثير من الأحيان نتيجة فائض من الخيال. ولهذا لا تبدأ الحرية بالشجاعة، بل تبدأ بالتشكيك. علينا أن نشك في كل خوف يسكننا قبل أن نطيعه. علينا أن نسأله من أين جاء، ومن الذي زرعه، ومن المستفيد من بقائه، ولماذا يطالبنا بالطاعة المطلقة.
فليس كل ما نخشاه يستحق أن نخافه، وليس كل ما ورثناه يستحق أن نحمله معنا حتى القبر.
ربما لا يكون الإنسان الشجاع هو الذي لا يشعر بالخوف، بل الذي يجرؤ على محاكمة مخاوفه بدل أن يركع لها كل يوم.
نقضي حياتنا كلها تقريبًا في محاولة مستحيلة؛ نحاول أن نصبح غير قابلين للانكسار. نبني المال كي نحتمي، ونبني الشهرة كي نُرى، ونبني المكانة الاجتماعية كي نشعر بالأمان، ثم نكتشف متأخرين أن كل ما بنيناه كان جدارًا هشًا يخفي خوفًا أعمق.
نرفض الاعتراف بأننا كائنات مؤقتة، فنحوّل هذا الرفض إلى مشروع حياة كامل. لكن الخوف لا يسكن الإنسان لأنه ضعيف، بل لأنه يقاوم ضعفه باستمرار. كلما حارب هشاشته، تضخمت داخله. وكلما حاول السيطرة على كل شيء، اتسعت دائرة ما يفلت من سيطرته.
نعيش وكأننا وقعنا عقدًا سريًا مع الوهم. نطلب ضمانات للحياة لا تستطيع الحياة نفسها تقديمها. نريد حبًا لا ينتهي، وصحة لا تتدهور، وعلاقات لا تتغير، ومستقبلًا مضمونًا، وطمأنينة دائمة، ثم نغضب حين ترفض الحياة أن تلتزم بشروطنا.
لكن الحياة ليست شركة تأمين كونية، وليست آلة خاضعة لرغباتنا، وليست مدينة فاضلة تنتظر حسن سلوكنا حتى تكافئنا. إنها حركة دائمة لا تتوقف لإرضاء أحد. ولهذا لا يختفي الخوف عندما نسيطر على العالم، بل عندما نتوقف عن مطالبة العالم بأن يكون ثابتًا.
لقد ارتكب الإنسان خطأً هائلًا حين ظن أن الأمان هو الغاية القصوى للحياة. فمن أجل الأمان، تنازل عن أسئلته، وتنازل عن حريته، وتنازل أحيانًا عن إنسانيته نفسها.
اختار الأقفاص لأنها أكثر استقرارًا من الطرق المفتوحة. واختار اليقين لأنه أقل إرهاقًا من الشك. واختار الطاعة لأنها تعفيه من مسؤولية الاختيار.
لكن الحياة التي تُبنى على الخوف من الخسارة تتحول تدريجيًا إلى خسارة طويلة الأمد. فلا أحد ينجو من الزمن، ولا أحد ينتصر على التغير، ولا أحد يحتفظ بكل ما يحب.
وحين نفهم ذلك، لا نسقط في اليأس كما يظن البعض، بل نتحرر من عبء المعركة المستحيلة.
عندها فقط يصبح فقدان الأشياء جزءًا من طبيعتها، ويصبح الرحيل جزءًا من معناها، ويصبح الانكسار جزءًا من التجربة الإنسانية، لا فضيحة يجب إخفاؤها.
ربما لا نعيش دون خوف عندما نصبح أقوياء بما يكفي، بل عندما نعترف أخيرًا بأننا كائنات هشة، وأن هشاشتنا ليست عيبًا يجب القضاء عليه، بل حقيقة يجب أن نتصالح معها.
نرتكب خطأً غريبًا طوال حياتنا؛ نموت آلاف المرات كي لا نموت مرة واحدة.
نستيقظ كل صباح لنخاف مما قد يحدث، ونتوقع الأسوأ، ونبني سيناريوهات الكوارث، ونستهلك أعمارنا في حماية أنفسنا من مستقبل لا يعرف حتى أنه موجود.
نتحول تدريجيًا إلى حرّاس لأشباح لا يراها أحد غيرنا. نخاف من خسارة الوظيفة قبل خسارتها، ونخاف من الوحدة قبل أن نعيشها، ونخاف من الشيخوخة ونحن ما زلنا قادرين على الركض، ونخاف من الموت ونحن ما زلنا نتنفس.
ثم نسمي هذا كله حكمة واستعدادًا للمستقبل. لكن أي حكمة هذه التي تجعل الإنسان يغادر الحاضر كل يوم ليقيم في كارثة لم تقع بعد؟ لقد أصبح الخوف صناعة عالمية متقنة. لا يحتاج أحد إلى تقييد الإنسان بالقوة، يكفي أن يقنعه بأن العالم كله يتربص به.
عندها يقوم الإنسان بالمهمة بنفسه. يبني سجنه، ويزين جدرانه، ويجلس داخله مطمئنًا لأنه يظن أنه يحتمي. تفهم كل سلطة في هذا العالم، مهما اختلفت وجوهها، هذه الحقيقة جيدًا؛ فالإنسان الخائف لا يسأل كثيرًا، ولا يتمرد كثيرًا، ولا يغامر كثيرًا، ولا يبتكر كثيرًا.
إن الخوف هو الموظف الأكثر إخلاصًا في خدمة كل أشكال السيطرة. ولهذا السبب، لا يُطلب منك دائمًا أن تؤمن بشيء، بل يُطلب منك أن تخاف من عدم الإيمان به. ولا يُطلب منك دائمًا أن تحب شيئًا، بل يُطلب منك أن ترتعب من خسارته.
هكذا تتحول الحياة إلى إدارة مستمرة للمخاوف بدل أن تكون تجربة للعيش. لكن ربما تكمن أولى خطوات التحرر في ارتكاب فعل صغير يبدو خطيرًا جدًا: أن تتوقف عن حماية نفسك من كل شيء. دع الحياة تقترب منك قليلًا. دع المجهول يجلس إلى جوارك دون أن تسارع إلى طرده. دع المستقبل يبقى مجهولًا بدل أن تملأه بكوارث من صنع خيالك. فليست الشجاعة أن تصبح غير قابل للأذى، لأن ذلك مستحيل، بل أن تتوقف عن جعل الأذى المحتمل مركز الكون كله.
إن الإنسان لا يهزمه الموت في النهاية، بل تهزمه حياته حين يقضيها كلها في الهروب منه. وربما لن نعيش دون خوف إلا عندما نرتكب أعظم فعل تمرد على الإطلاق: أن نكف عن التدرّب على الموت قبل أوانه، وأن نسمح لأنفسنا أخيرًا بأن نعيش.
لا يخاف الإنسان من العالم بقدر ما يخاف من نظرة الآخرين إليه. يقضي سنوات طويلة في بناء نسخة قابلة للعرض، ثم يقضي بقية عمره في حراستها.
يرتدي الكلمات المناسبة، ويخفي شكوكه، ويعدّل رغباته، ويراقب تصرفاته، ثم يقتنع تدريجيًا أن هذا الكائن المصطنع هو ذاته الحقيقية. لكن أي حياة هذه التي تحتاج إلى جمهور دائم حتى تستمر؟
لقد نجح الإنسان في اختراع سجن عبقري؛ سجن لا يحتاج إلى جدران ولا إلى حراس. يكفي أن يحمل كل فرد المحكمة معه أينما ذهب. يفكر قبل أن يتكلم: ماذا سيقول الناس؟ ويتردد قبل أن يكتب: ماذا سيعتقد الناس؟ ويتراجع قبل أن يتمرد: ماذا سيظن الناس؟ ثم يموت في النهاية، ويكتشف متأخرًا أن الناس كانوا منشغلين بمخاوفهم الخاصة أكثر من انشغالهم به.
لقد أعطينا الآخرين سلطة هائلة لا يستحقونها. منحناهم حق تقييم حياتنا وكأنهم خبراء في الوجود، بينما هم، مثلنا تمامًا، كائنات مرتبكة تحاول عبور الحياة بأقل قدر ممكن من الخسائر.
والمفارقة الساخرة أن الجميع يخاف من الجميع في الوقت نفسه. الخائف يراقب الخائف، والمرتبك يخشى المرتبك، والهش يحاكم الهش، ثم نسمّي هذا كله مجتمعًا متماسكًا.
لكن الحياة لا تكافئ النسخ المنسوخة. إنها لا تحتاج إلى مزيد من البشر الذين يعيشون باعتذار دائم، بل إلى بشر يملكون شجاعة أن يكونوا أنفسهم، حتى وهم يعلمون أن ذلك لن يعجب الجميع.
ولهذا لا يبدأ التحرر من الخوف عندما نُسكت أصوات الآخرين، فهذا مستحيل، بل عندما ننزع عنها صفة القداسة. فآراء الناس ليست قوانين فيزيائية، وليست حقائق كونية، وليست أوامر مكتوبة في نسيج الكون. إنها مجرد انطباعات عابرة تصدر عن بشر محدودين مثلنا.
ولعل أحد أكثر أشكال التمرد رعبًا هو أن تتوقف عن السعي إلى أن تكون مقبولًا باستمرار. أن تسمح لنفسك بأن تُساء قراءتك أحيانًا. أن تسمح لنفسك بأن تُرفض أحيانًا. أن تسمح لنفسك بأن تختلف دون أن تشعر بأنك ارتكبت جريمة. فعندما يتوقف الإنسان عن التسول العاطفي لاعتراف الآخرين، يبدأ شيء عجيب في الحدوث. يصبح أخف وزنًا. ويصبح أكثر صدقًا. ويصبح أقل خوفًا. وربما لا نعيش دون خوف عندما نقنع العالم بنا، بل عندما نتوقف أخيرًا عن تحويل العالم كله إلى محكمة نجلس فيها متهمين منذ ولادتنا وحتى موتنا.
نؤجل حياتنا باستمرار، ثم نتساءل لماذا نشعر بأن أعمارنا تتبخر بسرعة.
نعيش وكأننا نقف على عتبة شيء لم يصل بعد. ننتظر الظروف المثالية، والطمأنينة الكاملة، والاستقرار النهائي، ثم نؤجل أنفسنا إلى أجل غير مسمى.
نقول: عندما تتحسن أوضاعي سأعيش. عندما يختفي القلق سأفرح. عندما أضمن المستقبل سأرتاح.
لكن المستقبل لا يقدم ضمانات لأحد، والحياة لا تنتظر حتى ننتهي من ترتيب مخاوفنا. إنها تمضي في كل الأحوال. ولعل واحدة من أكبر الحيل التي يمارسها الخوف علينا أنه يقنعنا بأن الحياة الحقيقية ستبدأ غدًا. وغدًا هذا لا يأتي أبدًا. يحوّلنا إلى كائنات مؤجلة، ويجعلنا نقف على هامش أعمارنا نراقب الأيام وهي تمر، ثم نفاجأ ذات يوم بأن العمر الذي كنا نستعد للعيش فيه قد انتهى بالفعل.
ولهذا لا ينبغي أن نسأل أنفسنا دائمًا: ماذا لو خسرت؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا سأخسر لو بقيت خائفًا طوال الوقت؟ كم كتابًا لن يُكتب؟ كم فكرة لن تُقال؟ كم طريقًا لن يُجرَّب؟ كم حبًا لن يُعاش؟ كم جزءًا من ذواتنا سيموت بصمت لأننا قررنا أن الأمان أهم من الحياة نفسها؟
لا يسرق الخوف منا الشجاعة فقط، بل يسرق منا الاحتمالات كلها. وليس الإنسان كائنًا خُلق ليبقى في المنطقة الآمنة إلى الأبد، لأن الحياة نفسها لم تُبنَ على الثبات، بل على الحركة والتغير والمجازفة المستمرة.
ولهذا لا تبدو الحياة، في جوهرها، مشروعًا للنجاة، بل تجربة للعبور. فنحن لم نأتِ إلى هذا العالم كي نخرج منه سالمين، لأن أحدًا لن يخرج منه سالمًا أصلًا. جئنا كي نختبر الدهشة، ونرتكب الأخطاء، ونراجع أفكارنا، ونحب، ونخسر، وننهض من جديد، ثم نغادر ونحن أكثر فهمًا لهشاشتنا وأكثر تصالحًا معها.
وربما لا نعيش دون خوف عندما ننتصر عليه نهائيًا، فهذه معركة لن تنتهي، بل عندما نتوقف عن تأجيل الحياة إلى أن يمنحنا الخوف إذنًا بالبدء.
ربما لم يكن الخوف عدوًا يجب القضاء عليه أصلًا.
ربما كان مجرد أثر جانبي لشيء أعظم بكثير:
إنه الوعي.
لقد دفع الإنسان ثمن قدرته على التفكير بأن أصبح قادرًا على تخيل ما لم يحدث، وعلى استدعاء ما انتهى، وعلى القلق من أشياء لا وجود لها إلا داخل رأسه.
لم تكن المشكلة يومًا في الوعي نفسه، بل في سوء استخدامه. لقد تحول العقل من أداة لفهم العالم إلى أداة للهرب منه. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الإنسان يعيش خارج الزمن؛ يجرّ الماضي فوق ظهره، ويركض خلف المستقبل، وينسى أن المكان الوحيد الذي يمكن أن توجد فيه الحياة هو هذه اللحظة العابرة.
ولهذا، ربما لا توجد حياة دون خوف أصلًا. فالخوف ليس خللًا في الإنسان، بل جزء من ثمن أن تكون كائنًا واعيًا. أما الحرية الحقيقية، فلا تبدأ عندما يختفي الخوف، بل عندما يفقد قدرته على ابتزازنا. وعندها يحدث شيء بسيط وعظيم في الوقت نفسه. نتوقف عن محاولة السيطرة على الكون، ونتصالح مع كوننا جزءًا صغيرًا منه. نتوقف عن البحث عن حياة آمنة، ونبدأ في البحث عن حياة صادقة.
وربما تكون هذه هي الحكمة كلها:
أن نغادر هذا العالم وقد عشناه فعلًا، دون أن نكون قد قضينا أعمارنا نحرس أنفسنا منه.
الكاتب منير عكاشة Mounir Akacha











