
ماذا لو أخبرتك
ماذا لو أخبرتك أن السورة الوحيدة في القرآن التي تحمل اسم امرأة ليست سورة عن النساء… بل عن الإنسان؟
وماذا لو أخبرتك أن الله، في كتابه الخالد، لم يمنح هذا الشرف لملكٍ عظيم، ولا لقائدٍ فاتح، ولا لفيلسوفٍ غيّر مجرى التاريخ، بل لامرأة؟
إنها سورة مريم. وهنا يبدأ السؤال #الحقيقي: ماذا أراد الله أن يقول للبشرية كلها من خلال امرأة؟ في عالمٍ كان يدفن البنات أحياء، ويعتبر المرأة جزءًا من متاع البيت، ويقيس قيمتها بقربها من الرجل أو بعدها عنه، جاء القرآن ليقلب الموازين كلها.
فلم يذكر مريم باعتبارها زوجة أحد. ولم يمنحها قيمتها لأنها ابنة رجل عظيم. ولم يجعل حضورها تابعًا لذكر رجل. بل ذكرها باسمها الصريح. اسمًا يتردد في كتاب الله إلى قيام الساعة.
“مريم”.
وكأن الوحي يعلن منذ البداية أن قيمة الإنسان لا تُستمد من ظله الاجتماعي، بل من #نوره الداخلي. تأملوا المشهد جيدًا. الله الذي خلق السماوات والأرض، والذي بيده ملكوت كل شيء، يرسل ملائكته لتخاطب #امرأة:
﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾.
أي مقام هذا؟ وأي تكريم أعظم من أن يُذكر اسمك في خطاب سماوي خالد يتعبد الناس بتلاوته آلاف السنين؟ لكن الأعجب من ذلك أن القرآن لم يقدم مريم كامرأة خارقة لا تشبه البشر، بل نقل ضعفها، وخوفها، وارتجاف روحها، حتى قالت في لحظة الألم:
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا﴾.
وهنا تتجلى عظمة القرآن. فهو لا يكرم المرأة بإخفاء إنسانيتها، بل يكرمها بالاعتراف بها. لا يطلب منها أن تكون حجرًا.ولا ملاكًا.
ولا كائنًا بلا دموع. بل إنسانة كاملة، تشعر وتتألم وتخاف ثم تنهض. وهنا تأتي الآية التي تختصر فلسفة الحياة كلها:
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
تأملوا المشهد مرة أخرى. امرأة منهكة من المخاض. وحيدة.
جائعة. عطشى. ثم تُؤمر أن تهز جذع نخلة. “و اهتزاز النخلة هنا رمزي و يكون لنا فيه تفسير خاص “.
ولماذا؟
لأن الله يريد أن يعلم الإنسانية درسًا خالدًا: الكرامة ليست في أن تُحمل على الأكتاف، بل في أن تكون شريكًا في صناعة المعجزة. كان يستطيع سبحانه أن يُنزل الرطب دون حركة منها. لكنه أراد أن يقول لكل #امرأة ولكل رجل: تحركوا أولًا…
ثم شاهدوا كيف يفتح الله الأبواب. ومن أعمق أسرار السورة أن الله لم يجعل مريم موضوعًا للحماية فقط، بل جعلها محورًا لأعظم #معجزة في التاريخ. فمن رحم امرأة خرج نبي يهز عقائد الأمم ويغير مسار الحضارات, و نادي #بالتوحيد كغيره من الأنبياء
وكأن القرآن يهمس لكل من يختزل المرأة في صورة ضيقة: لقد جعل الله من امرأة واحدة آية للبشرية كلها. ثم انظروا إلى المفارقة المذهلة…كم من الملوك حكموا الأرض ثم اندثرت أسماؤهم؟ وكم من الجبابرة ملؤوا الدنيا ضجيجًا ثم صاروا خبرًا في بطون الكتب؟
أما مريم…
فما زال اسمها يتردد على ألسنة المؤمنين بعد آلاف السنين. ذلك لأن التاريخ قد يخلد القوة زمنًا ،أما الله فيخلد #القيمة. ولهذا فإن أعظم تكريم #للمرأة في القرآن ليس أنها أُمّ أو زوجة أو ابنة، رغم شرف هذه الأدوار كلها.
بل أن #القرآن نظر إليها أولًا بوصفها إنسانًا كامل #الكرامة، كامل الأهلية الروحية، قادرًا على بلوغ أعلى مقامات القرب من الله.
ومن هنا نفهم لماذا لم يسأل القرآن يومًا: هل هي رجل أم امرأة؟
بل سأل دائمًا:
ماذا تحمل في قلبها؟
كم في روحها من صدق؟
وكم في عملها من إخلاص؟
ففي ميزان السماء لا ترتفع المرأة لأنها امرأة، ولا الرجل لأنه رجل.
إنما يرتفع الإنسان بقدر ما يحمل من نور.وهذا هو الدرس الأعظم في سورة مريم:أن الله لم يكرم المرأة لأنها نصف المجتمع…
بل لأنها إنسان كامل الكرامة خلقه الله ليكون خليفة في الأرض، وشريكًا في حمل الأمانة، وطريقًا من طرق ظهور الجمال الإلهي في هذا العالم.
ريم بالخذيري











