
كانت أمّي تقولُ
كانت أمّي تقولُ لنا بأنّ أبي يشتغلُ بالكهرباء.
بحثنا كثيرًا عن مقبسِ الضّوء
إلى أن ضحكتْ أمّي ذات يوم
ورأينا صدرَ أبي ينيرُ غرفةً غرفة.
أبي موظّفٌ كادح،
يعود من العمل ناقصًا بطّاريّةً أو ٱثنتين
من إنسانيّته،
فتضعُ أمّي رأسها على كتفه
كما يوضع مصباحٌ على عمود إنارة،
يُشعلانِ اللّيلَ الطّويل بأحاديثهما الدّافئة.
أمّي امرأةٌ أُمِّيَّة،
لم تتلقَّ في حياتها درسًا عن الفيزياء،
و مع ذلك، تعرف كيف تعيدُ شحنَ رَجلٍ
في أوجِ ظلامه،
تطلقُ ضحكةً في الثُّلثِ الأخير من تعبه،
فينبلجُ أبي رجلاً جديدًا.
ضحكاتُ أمّي عاليةٌ جدًّا،
نصعدُ سلالمها درجةً درجة
وعند آخر ضحكة، يُصيبنا الإعياء
فنضعُ عليها رؤوسنا وننام.
أحيانًا، تنقطعُ الكهرباء عن الحيّ،
فنجلسُ كلّنا تحت فمِ أمّي
نتعلّم كيف يكون الإصغاءُ للضّوء.
في تلك اللّيالي المُعتّمة،
كان أطفال الجيران يسرعون نحو منزلنا
بكراريسهم وكتبهم،
يتسابقون لإمساكِ ضحكةٍ واحدة
يُعِدُّونَ عليها واجبهم المدرسيّ.
كيف أقنعُ علماء الفيزياء
بأنّ الضّوء في بيتنا شيءٌ مسموع،
لا نرى أسلاكه،
ولكن ننصتُ لأزيزها
كلّما ٱحتكّتْ نِكاتُ أبي
بمكانٍ مُظلمٍ في قلبِ أمّي؟
للفرحِ “volt” قويٌّ جدًّا،
تكفي مزحة صغيرة واحدة
لنرى العالمَ بوضوحٍ أكبر.
كبرتُ،
تزوّجتُ،
صار عندي بيتٌ وأطفال،
ولازلتُ أستبدلُ الفانوس المُحترق
بنكتةٍ من نكاتِ أبي،
ولازلتُ كلّما ٱنقطعت الكهرباء،
أمدُّ يدي لجدار الغرفة
أتلمّسُ فمَ أمّي.
هاجر الرّقيق











