عيد أضحى مبارك

أيُّها العيدُ

لقد علَّموني منذُ الطّفولةِ أنّكَ فرَحٌ قادمٌ مُنتظَر، وعلَّموني أنّكَ ثيابٌ وحلوى وهدايا وصور، وأنّكَ نُزهاتٌ ورِحلاتٌ وسفر، لكنّهم لم يُعلِّموني أبدًا أنّكَ فرحُ النَّفس بما وهبَ اللهُ البشر، وأنّكَ ذكرى لثورةٍ على مَن عبدوا المالَ والحَجَر، وأنّكَ العِبرةُ لِمَنِ اعتبر، وراحوا وِفقَ أهوائِهم وظروفِهم إيّاكَ يستقبلون…

فَمَن كان فرِحًا، استقبلَكَ بالغارِ وأغصانِ الزّيتون، وبالمفرّقات والأراجيحِ وطيّباتِ البطون، ومَن كان حزينًا اسْتقبلَكَ باللّومِ والعتابِ وماءِ العيون.

أيُّها العيدُ..

لقد جعلوكَ غريمًا عند الشّدائدِ والأحزان، وراحوا منكَ يتبرّؤون، وكأنّهم اللهَ بكَ يُقاصِصُون على ما ابتلاهم مِن هَمٍّ وشجون..

وراحوا أمواتَهُم يبكون، وأولادَهُم من بهجةِ حضورِكَ يَحرِمون.

أيُّها العيدُ

ما كنتَ يومًا ثوبًا جديدًا وحسبُ، بل قلبًا يتجدّدُ بالإيمانِ والرِّضا..

فكم من فقيرٍ ضحِكَ في صباحِك، وكان أغنى من ملوكٍ ناموا على الحرير!

وكم من بيتٍ خلا من الزِّينةِ، لٰكنّهُ امتلأَ بالسَّكينةِ، فصارَ أبهى مِنَ القُصور!ليس الحزينُ مَن فقدَ راحلًا، بل مَن فقدَ معنى الامْتنانِ وهو حَيٌّ..

وليس الفَرَحُ ضحكةً عاليةً، بل طمأنينةٌ خَفِيّةٌ تهبِطُ على القلبِ حين يرضى بما كَتبَ اللهُ وقَدَّرَ.

فالأعياد لا تُقاسُ بكثرةِ المظاهرِ، بل بقدرةِ الرُّوحِ على التّخَفُّفِ من أوجاعِها، وبقدرةِ الإنسانِ على أنْ يُشعلَ شمعةً في داخلِهِ، ولو كانتِ الدُّنيا حولَهُ ظُلمةً.

فالعيدُ الحقيقيُّ أنْ يبقى الإنسانُ إنسانًا رغمَ الخَسارات، ورغم الغياب، ورغم انكساراتِ العمرِ المتلاحقةِ.

للّهِ ما أقسى أنْ يتحوّلَ العيدُ إلى موسمٍ لِعَدِّ النَّواقصِ، بدلَ أنْ يكونَ موسمًا لشكرِ ما بقيَ..

فبعضُ النّاسِ يدخلونَ العيدَ بأكياسِ الهدايا، وآخرونَ يدخلونَ بقلبٍ مُنهَكٍ، لٰكنَّ اللهَ لا ينظُرُ إلى ما في الأيدي، بل إلى ما في القلوب..

إنَّ العيدَ امْتحانٌ خفيٌّ، فمَن عرفَ معنى الرِّضا رآهُ نعمةً، ومَنِ اسْتسلمَ لليأسِ، رآهُ وجعًا يعودُ كلَّ عام.

عايدة قزحيا