
الاغتراب المعاصر
كتب … سالم يفوت
تضاء الشاشات في أيدي المليارات، تتقاطع إشارات الاتصال عبر القارات في أجزاء من الثانية، وتبدو الكرة الأرضية كقرية صغيرة متراصة. ورغم هذا الضجيج التواصلي غير المسبوق، يعاني إنسان العصر الحديث من وباء صامت يعتصر وجدانه: العزلة العميقة والوحدة الموحشة. هذه المفارقة الساخرة هي عرض جوهري لمرض بنيوي شخصه علماء الاجتماع والفلاسفة منذ بزوغ فجر الحداثة تحت مصطلح ثقيل الظل: “الاغتراب”.
تبدأ قصة الاغتراب كإشكالية حديثة في كتابات كارل ماركس، الذي نظر إليها من زاوية مادية وعمالية. رأى ماركس أن النظام الصناعي الرأسمالي شطر الإنسان عن ذاته وعن محيطه. فالعامل الذي يقف على خط التجميع ليصنع جزءاً من آلة لا يملكها ولا يعرف لمن ستذهب، يصبح مغترباً عن “ثمرة عمله”، ومغترباً عن “عملية الإنتاج” ذاتها التي تحولت لجهد قسري ميكانيكي، وهو ما يؤدي حتماً إلى اغترابه عن “جوهره الإنساني” الإبداعي، وفي النهاية، اغترابه عن “أخيه الإنسان” الذي يصبح مجرد منافس له في سوق العمل.
ومع تطور المجتمعات، امتد مفهوم الاغتراب من أرضية المصنع ليغمر الحياة الاجتماعية بأسرها. قدّم ماكس فيبر تشريحاً مخيفاً للحداثة حين وصفها بأنها قادت البشرية إلى “القفص الحديدي” للعقلانية والبيروقراطية. لقد نزعت الحداثة السحر عن العالم، وأحالت العلاقات الإنسانية الحارة والعفوية إلى عقود قانونية، وأرقام، وحسابات نفعية باردة. في هذا المناخ، يتحول الفرد إلى مجرد ترس صغير في آلة اجتماعية ضخمة ومجهولة الهوية، حيث يُقاس وزنه بمدى كفاءته الوظيفية لا بقيمته الإنسانية المكتفية بذاتها، مما يولد شعوراً مزمناً باللاجدوى وفقدان المعنى.
على الجانب الآخر من هذا التشاؤم السوسيولوجي، يطرح المدافعون عن مسار الحداثة (مثل بعض مفكري الليبرالية الكلاسيكية) وجهة نظر نقدية. يجادلون بأن ما يسميه فلاسفة التشاؤم “اغتراباً وعزلة” هو في حقيقته “التحرر والفردانية”. بالنسبة لهؤلاء، كانت المجتمعات التقليدية القديمة خانقة، تُذيب الفرد في هوية القبيلة أو الدين، وتسحق حريته الشخصية وتجبره على الامتثال. بناءً على هذا النقد، فإن شعور الإنسان المعاصر بالوحدة هو الثريبة الطبيعية لاستقلاله، وقدرته على اختيار مصيره ومساره وقيمه دون وصاية من سلطة جمعية عليا.
في المحصلة، يمثل الاغتراب المعاصر نتاج هيكل اجتماعي وتكنولوجي يحول الإنسان تدريجياً من كائن يتفاعل بغاية الوجود، إلى وحدة بيانات معزولة تبحث عن قطرة معنى في محيط من العبث المادي والافتراضي.
#الاغتراب #وحدة_الإنسان_المعاصر #فلسفة_الحداثة











