أدب الحرية: المفهوم والمصطلح والأبعاد

أدب الحرية: المفهوم والمصطلح والأبعاد

فراس حج محمد| فلسطين

الأدب الفلسطيني المقاوم في جوهره فعل من أفعال الانبعاث الوجودي والتجلي الإنساني، حيث تتشابك الكلمة مع الهوية في صراع مرير ضد محاولات القتل والتشريد والسيطرة، وضمن هذا السياق العريض، يبرز تيار أدبي في أصل نشأته تبلور في أقبية السجون والمعتقلات، عُرف تاريخياً بـ “أدب السجون”، لكنه يشهد اليوم تحولاً اصطلاحياً نقدياً نحو مفهوم “أدب الحرية”، إن هذا التحول لا يعني استبدال مفردة بأخرى، إنما هو إعادة صياغة كلية للعلاقة بين المبدع وفضائه القسري، وانتقال من توثيق المعاناة والاضطهاد إلى صناعة المعنى والاشتباك المعرفي مع المحتل، كما أنه لا يتخذ من البلاغة والإنشائية المجانية والاستعارية المجازية متكأ له، إنما هو في حقيقته أدب ذو روح شاسعة وممتدة ومتمردة على القيود التي تحاول أن تؤطر كل ما يصدر عن الإنسان الأسير في قوالب جامدة غير مؤثّرة، لذلك- كما سيتضح لاحقاً- أدب ثوري على صعيد المعنى والرؤى وعلى صعيد الشكل أيضاً.

إن “أدب الحرية”، كما أراه من خلال ما أنتجه كتّابه من مدونات أدبية، هو الامتداد الطبيعي والشرعي لمفهوم “أدب المقاومة” الذي أسسه ووضع معاييره الكاتب الشهيد غسان كنفاني في كتابيه “أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948- 1966” و”الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948– 1968″، حيث يتحول النص الأدبي من انعكاس للواقع إلى أداة لتغييره وتجاوز أسوار السجن المادية والمعنوية، ويبني أبعاده المفهومية على ما قد أسس له غسان كنفاني في هذين الكتابين، لكنه أبضاً له أبعاده التي سأتحدّث عنها.

يتجاوز مفهوم “أدب الحرية” الوصف السطحي للحياة داخل الزنازين ووصف ما يحدث داخل المعتقلات، ليعبر عن كينونة فلسطينية ترى في الكتابة فعلاً وجودياً بامتياز، في هذا الإطار، يُعرّف “أدب الحرية” بأنه “النتاج الإبداعي الذي يخطه الأسرى داخل معتقلات الاحتلال، أو ما يكتبه الكتاب استناداً إلى تجربتهم الذاتية أو العامّة، بحيث يكون المحرك الأساسي للنص هو التوق للتحرر والانتصار للذات الإنسانية في وجه منظومة القمع”.

وبناء على هذا التعريف الإجرائي المقتـرح فإن النقد يجب ألا يتعامل مع هؤلاء المبدعين كضحايا سلبيين، بل كمنتجين للمعرفة يصنعون من الألم معنى ومن العزلة معرفة حية، وبهذا المعيار النقدي العام يمكن للدارس أن يقيس النصوص المؤهلة لأن تدخل ضمن هذا الإطار النظري والتعريفي، وسبق أن ناقشت جانباً من هذه المسألة النقدية المهمّة في كتاب “تصدّع الجدران”. (ينظر في الكتاب: اختلاف المعايير النقدية تبعاً لاختلاف التجربة الإنسانية، ص 54).

تتجلى فلسفة “أدب الحرية” في كونه “فلسفة للتحدي والصمود”، حيث يدرك الأسير أن السجن ليس نهاية المطاف، بل هو ساحة نضال مستمرة لتأكيد الهوية ومواجهة سياسات السجان الرامية إلى تحويل الإنسان إلى رقم لا غير، ومن هنا، تصبح الكلمة هي المفتاح الحقيقي للحرية؛ فالحرية لا تبدأ من فتح باب الزنزانة، بل من الحبر الذي يلامس الجدار ليجعله نافذة، ومن الكلمات التي تتسلق الأسوار لتصل إلى الخارج قبل صاحبها، هذا المفهوم يعيد الاعتبار للإرادة الإنسانية، ويؤكد أن السجن لا يكتمل إلا إذا استسلمت الروح، والكتابة هي الدرع الذي يحمي الروح من التفتت والجسد من الانهيار، ويساعد على البقاء على قيد أمل، لا تنطفئ له شعلة.

وعلى ضوء من أبعاد غسان كنفاني التي وضعها لأدب المقاومة، فإن “أدب الحرية” يتضمن بهذا الوصف أبعاداً أساسية أخرى تخصّه على مستوى بنيوي داخلي أو على مستوى الهدف والغاية، وهي:

البُعد الوجودي أو المقاومة الإنسانية الوجودية، حيث إعلان الحضور الإنساني في وجه نظام عنصري يسعى للمحو بكل ما أوتي من قوة وبأساليب شتى، وإثبات أن الأسير كائن حي مكتمل المشاعر والتاريخ.

البُعد المعرفي أو المقاومة المعرفية، إذ يتم فيه تحويل الزنزانة إلى ورشة إبداعية ومختبر للفكر، والاشتباك مع رواية الاحتلال البغيض ومواجهتها برواية فلسطينية أصيلة، ومن ضرورات هذا الاشتباك قراءة الآخر بلغته، حيث يصبح تعلم اللغة العبرية مهمة واجبة من مهمات الصراع على الرواية.

البُعد الوظيفي أو المقاومة التواصلية العملية، وبه يستعيد الكتّاب الزمان والمكان المسلوبين عبر المتخيل السردي، وكسر العزلة التي يفرضها السجان من خلال التواصل مع القراء في الخارج، وخلق زمن موازٍ لا يخضع لمواضعات الزمن المكثّف الذي يعاني منه الأسير في السجن.

البُعد الجمالي أو المقاومة الجمالية الفنية، وينتج عنه نصوص تتسم بالواقعية المشوبة بالإيمان والروحانية، مع توظيف مكثف للتناصات الدينية والتاريخية والأدبية، ويستند إلى تاريخ طويل من النضال العالمي الذي يؤكد شرعية الفعل الثوري وتأكيده بالفعل الإبداعي، ويختلق أساليبه الفنية الخاصة بحكم التجربة باحثاً عن تقنيات كتابة جديدة ثورية، تجعل الأدب يدخل في تجريبيّته ليصنع أشكاله التي تميّزه عن غيره.

إن توظيف مفهوم “أدب الحرية” يتسع ليشمل كافة الأشكال الفنية، من الرواية والشعر إلى المذكرات والرسائل والنصوص المفتوحة والتأملات الفلسفية والشهادات الحية والأبحاث الأكاديمية والأغاني الثورية والمرافعات القانونية أمام المحاكم ومحاضر الجلسات التثقيفية داخل السجون والبيانات العامة والخاصة السياسية والحزبية، ومجازاً اللوحات الفنية والمشغولات اليدوية، هذا التنوع يعكس “ثورة أدبية” لجيل غير قابل للهزيمة، يمسك بالقلم ليقول للعالم إنه موجود وإنه يقاوم من خلال الإبداع.

منذ عام 2021 وأنا أسعى بمشاركة الكاتب والمحامي الحيفاوي حسن عبادي إلى ضرورة اعتماد منهجية فكرية واضحة لإحلال مصطلح “أدب الحرية” محل مصطلح “أدب السجون”، هذا الانحياز المصطلحي ليس ترفاً لغوياً، بل ينبع من عدة اعتبارات جوهرية تمس صلب القضية الفلسطينية ونضال الحركة الأسيرة، فقد كرّسنا سوياً جزءاً كبيراً من الاشتغال النقدي لتأصيل هذا المصطلح وتثبيته في الوعي الثقافي العربي والفلسطيني، وذلك من خلال مجموعة كبيرة من المقالات والأفعال الثقافية على الأرض من ندوات ومؤتمرات.