لا أحدَ يعرفُ

لا أحدَ يعرفُ أب هذه القصيدة.

رآها أحد الأقارب و هي تجذبني من كُمّي في الشّارع،

خجلَتْ منه، فغطّتْ عُنوانها بطرفِ فستاني.

حاولَ أن يلاعبها، أن يداعبَ شعرها

فٱنفكّت القوافي المضفورة

و تطايرتْ على وجهه.

في إحدى المرّات، لمحتنا جارةٌ مُصادفةً

و نحن خارجتانِ من البيت لنشتريَ ٱستعارةً جديدة.

اقتربتْ منّا و سألتني عن ٱسمها:

“البداية”، أجبتها بثقة

و مشيتُ أنا و قصيدتي نحو أماكنَ عديدة،

لكنّ اليأس لم يكن من بينها.

حين بلغت السّادسةَ من عمرها،

اصطحبتُ قصيدتي للمدرسة،

لكنّ المعلّم كان دائمًا ما يضربها على إجاباتها الخاطئة،

و مع كلِّ ضربة، كان يسقطُ منها حرفٌ جديد

على أرضيّة القسم.

مرّةً عادت لي بأَلِفٍ مُتورّمة و مرّةً بباءٍ مُلتوية،

فحضنتها بقوّةٍ اللّيلَ بطوله

حتّى ٱلتأمتْ حِبكتها اللُّغويّة من جديد.

كثيرًا ما كانت تعود قصيدتي باكية

فتمرّغُ دموعها و لعابها في صدري

و هكذا إلى أن صارت مُهمّتي اليوميّةُ الوحيدة

أن أُنظّفَ آثار الشِّعر من ثيابي

حتّى لا يتّهمني أحدٌ بالفجور!

كلّ صباح، أُسوّي ميدعتها، أُجهّز لها الفطور،

و أتفقّدُ ممحاةَ الماضي في حقيبتها

ثمّ أُرسلها للصفّ مع قُبلةٍ طويلة تبدأُ من عنوانها

و تنتهي على وجنةِ الغد.

بعد الدّوام، تعودُ لي قصيدتي بمتنٍ مُتعب

من الرّكضِ خلف الصّورة المجازيّة،

فترتمي في حُضني مباشرة.

أحيانًا من شدّةِ تعبها،

كنتُ أسمع إيقاعها و هو يتثاءب و يشخر

عاليًا عاليًا

إلى أن تنامَ الكآبةُ في صدري.

حين وصلتْ قصيدتي لسنّ “البلاغة” الشّعريّة،

استدارَ صدرها و نزلَ الدّمّ من عَجزِها،

فأجلستُها جنبي و طمأنتها قائلة:

“سقطَ العالمُ على ركبتيهِ ذات يوم

و هو يجري نحوكِ بنثرهِ و نظمه،

فها هو جُرحه يكبرُ داخلك.”

كلُّ من يصطدم بقصيدتي على الطّريق،

يُشيح بوجههِ و يمضي في الجهّة الأخرى

و كأنّه على قاب تفعيلتَيْن من فضيحة.

المرّة الوحيدة الّتي لم أُسَاءَلْ فيها عن الأب

كانت معك:

تثبتَّ طويلاً في جيناتِ هذه القصيدة

و أنا أطرحُها من أحشائي على الدّفترِ الأزرق،

ثمّ همستَ في أذني بلطف:

“إنّها لا تشبهُ أحدًا غيرك.”

 

هاجر الرقيق