وهمُ الكمال
د. محمد عبد العزيز
ما أكثر ما يُخدَع الإنسانُ بصورةٍ يتخيّلها لعالمٍ لا عيب فيه، ونفسٍ لا نقص فيها، وعملٍ لا تشوبه شائبة؛ حتى ليغدو هذا التصوّر على بريقه حجابًا يحول بينه وبين الفعل، وقيدًا يُثقل خطاه وهو يظنّه جناحًا يُحلّقه إلى المعالي. وذلك هو وهمُ الكمال؛ الفكرة التي تَعِدُ صاحبها بالتمام، فإذا هي تُورثه التعطيل والحرمان.
إن الكمال في حقيقته المطلقة معنى ذهنيٌّ يُدرك بالعقل ولا يُنال في الواقع. فما من شيءٍ في هذا العالم إلا وهو محدودٌ بطبيعته، محكومٌ بظروفه، مشوبٌ بنقصٍ لا ينفكّ عنه. فالإنسان مهما بلغ يبقى كائنًا يتعلّم، ويُخطئ، ويُصيب، ويستدرك ما فاته. فإذا طلب لنفسه حالًا لا نقص فيها، فقد طلب ما ليس من شأن البشر، ونازع طبعه الذي فُطر عليه.
غير أن الخطر لا يكمن في طلب الإتقان، بل في الخلط بينه وبين الكمال. فالإتقان غايةٌ شريفة، تُحفّز على التحسين، وتدفع إلى مزيدٍ من البذل، أما الكمال إذا طُلب على إطلاقه فإنه يُجمّد الإرادة، ويُؤجّل العمل، ويُورث صاحبه تردّدًا لا ينتهي. إذ كيف يبدأ من ينتظر الظروف المثالية؟ وكيف يُتمّ من لا يرضى إلا بصورةٍ لا عيب فيها؟
وهكذا، يتحوّل الكمال من هدفٍ يُستضاء به، إلى شرطٍ يُعطّل كل هدف. فيقف المرء على عتبة الفعل طويلًا، يُهذّب فكرته، ويُراجع خطّته، ويُضيف ويُحذف، حتى يمرّ الزمن، وتضيع الفرصة، ويبقى هو أسير تصوّرٍ لم يخرج إلى حيّز الوجود. وما ذاك إلا لأنه آثر الصورة على الحقيقة، والوهم على التجربة.
ومن لطيف ما يُلحظ في هذا الباب، أن الساعي إلى الكمال قد لا يكون في حقيقة أمره محبًّا له بقدر ما هو خائفٌ من النقص. فهو يخشى الخطأ، ويهاب النقد، ويتجنّب التجربة لئلا ينكشف قصوره. فيتّخذ من الكمال ستارًا يختبئ وراءه، ويُبرّر به تأخيره، وهو في الحقيقة يفرّ من مواجهة ذاته كما هي.
ولو أنه نظر إلى الأمور بعينٍ أبصر، لعلم أن الخطأ ليس عيبًا يُستحى منه، بل هو طريقٌ إلى الصواب، وأن التجربة بما فيها من تعثّر هي التي تُنضج العمل وتُهذّب الأداء. فما من مهارةٍ أتقنها صاحبها من أول مرة، ولا من عملٍ خرج كاملًا من محاولته الأولى. وإنما الكمال إن جاز إطلاقه ثمرةُ محاولاتٍ ناقصة، تراكمت حتى اقتربت من التمام.
ثم إن للحياة سننًا لا تُجامل أحدًا؛ منها أن الفرص لا تنتظر المتردّدين، وأن الزمن لا يُعطي من يقف عند باب الفعل يطلب الإذن من مثالٍ لا يأتي. فمن أراد أن يُدرك شيئًا، فليُدركه على قدر استطاعته، وليُحسّنه مع الزمن، لا أن ينتظر صورةً كاملةً لا تتحقق.
وإذا تأمّلنا أحوال الناس، وجدنا أن كثيرًا ممن بلغوا مراتب عالية، لم يبلغوها لأنهم كانوا كاملين، بل لأنهم بدأوا مع نقصهم واستمرّوا رغم عثراتهم وتعلّموا من أخطائهم حتى صار ما كان ناقصًا أقرب إلى التمام. بينما بقي آخرون في مواضعهم، لا لأنهم أقلّ قدرة، بل لأنهم أكثر تردّدًا، وأشدّ تعلّقًا بوهمٍ لم يُتح لهم أن يُدركوه.
وخلاصة القول، أن الكمال إذا فُهم على وجهه هادٍ يُرشد، لا قيدٌ يُعطّل. وأن الإتقان لا يأتي من انتظار التمام، بل من الشروع في العمل، ثم مراجعته، ثم تحسينه مرةً بعد مرة. وأن من رضي بأن يكون عمله اليوم خيرًا من أمسه، فقد سلك سبيل التقدّم، وإن لم يبلغ غاية الكمال.
فدع عنك وهمًا يُثقلك، وخذ من الواقع ما يُعينك. وابدأ بما تستطيع، على ما فيك من نقص، فإن النقص إذا عُولج كان سبيلًا إلى الكمال النسبي، أما الكمال المطلق، فظلٌّ لا يُدرك، وسرابٌ يُغري ولا يُغني. ومن عرف ذلك، تحرّر من قيدٍ خفي، ومضى يعمل، فيُنجز، فيقترب، حتى يبلغ من التمام ما كُتب له أن يبلغ.




































