سيميائية الانكفاء والدفاع  قراءة في اغتراب الذات الشاعرة وهذيان الوجود

بقلم : طارق الأسمر

قراءة نقدية صحفية لقصيدة ” صمتي ” للشاعرة المغربية ” نعيمة مفيد ”

 

قصيدة : صمتي

بقلم : نعيمة مفيد

 

صمتي

ليس صديقا مساللما

العالم

سطح ثلج جامد

و بارد .. بارد ..

الشمس

على حِياد.

لا تعِد بشيء

و المسرحية

فصول هزلية هرِمت

فشاختْ أكفّ التصفيق

أدركت أنّي

لا أجيد الرسم

و لا تحديد الخطوط

لا أملك فرشاة و لا ألوانا

لألون بالأصفر

عناق الشمس عند الشروق

و باللون الأحمر

الشمس عند الغروب

أو أو أزين أطيافها

غِبّ الشّفق ..

أرسم جدار الفضاءات

بتلاوين الغَسق ..

ملامح تشبهني

ملامح تشبهنا

العالم بكُليته ..

 

حفل تنكّري بئيس ..

و اللصّ

تدثّر قناع قديس

و أنا

أداوي جراح الخوف

و الحزن ..

و الصمت .

بِتميمة

أحمل قلما و أوراقا مبثورة ..

لأن كفي

أصغر من أن يحمل ،

بدقية

فنتداول حوار الصمت .

حين يخوننا الكلام ،

نقرأ بصوت خفيض

يشبه الهمس

يشبه خفّة الوميض .

قصائد

فرّت منها صُور الشعر .

فأعانق سرد كافْكا ..

و أشيح بوجهي

عن السّرد النسائي

ذو النبض الجميل ..

عن

حياة تستحق الهذيان ..

 

فالنساء،

مهْووسات بالجمال ..

بطعم القبلة الأولى ..

بالعناق الأول ..

و أنا يدي فُطِرت على اليراع

ترقص على نبض الكتابة ..

أحمل قلمي بثبات المحارب

أشدّ الحرف بنبضي ..

كي لايسحبوا البساط من تحتي

فأَعود

بِخُفّي حُنين ..

أو كسنبلة في عزّ الحصاد ..

تسقطها الريح ..

كجُثّة

ممدودة في مستودع الموتى ..

بلا صدى

بلا حياة

أحمل في حقيبتي

مفاتيح أبواب

لبيوت

لم يعد لها من أثر .

فقط

لتذكرني بالباب المتآكل

من ألم شتاءات عديدة

مرت عليه

كبحر

تلاشت أمواجه

على رمل الشط….

و أُوغِل في الأحلام

أعلّم الجياع ،

طقوس الصبر …

و تراتيل التّحمل ،

أغرس بتربة القلوب

مشاتل الأحلام

ليُوهموا النفس

بالحياة

يُغنّون و لو جِزافا ..

كلّنا نحيا ..

كلنا نتساوى ..

لا فرق بين ،

قِطط السّرايا ،

و قطط الشوارع .

فلا تُمرروا يد القسوة ،

على فئرائنا الناعمة

لم يمت بداخلي الكلام

ولم يتوقف هديل الحمام …

 

لا أطلب من جدائل الشعر

أن يجلس بجانبي صامتا

بل أحرّره ..أعلمه

أن يصرخ .. و يصرخ ..

مِلء رئتيه ..

ملء حنجرته ..

حتى لا يفسح الطريق

للتّرهات .

و لا ،

لسارقي الأحلام و البسمات ..

و أردّد مِلء صوتي

نحن كنّا هنا .

لَكنّا ،

لم ننْتبه ..

لِمن كانوا يعبرون على أجسادنا.

لم ننتبه ،

لمن بأقدامهم علينا ،

حملوا الخير ..

وعبروا

إلى الجانب الآخر .

 

القراءة :

 

تفتتح الشاعرة ” نعيمة مفيد ” نصها بعبارة حاسمة توضح طبيعة الصراع: «صمتي ليس صديقاً مسالماً». هذا الإعلان ليس مجرد بوح، بل هو ضربة فأس تصدع جدار العزلة. الصمت هنا ليس استسلاماً، بل هو شحن عاطفي، طاقة كامنة تتأمل عالماً تحول إلى «سطح ثلج جامد وبارد».

 

حيث تتحرك الشاعرة في هذا النص عبر فضاءات من “المسرحة العبثية” للعالم؛ فالشمس محايدة لا تعد بشيء، والتصفيق شاخت أكفه، والكل يرتدي قناعاً في «حفل تنكري بئيس». إنها الرؤية الكافكاوية للوجود، حيث يفقد الواقع منطقَه، ويصبح اللص قديساً، وتتحول الحياة إلى فصول هزلية هرمة. هنا، يتجلى الاغتراب الوجودي في أبهى وأقسى صوره.

 

أما في المقطع الثاني، تمارس الذات الشاعرة نوعاً من المراجعة الجمالية، معلنةً عجزها عن تلوين العالم بالأصفر والأحمر، وعن رسم الفضاءات. لكن هذا الاعتراف بالعجز عن “الرسم التقليدي” ليس إلا تمهيداً لامتلاك أداة مغايرة ومقاومة :

 

«أحمل قلماً وأوراقاً مبثورة.. لأن كفي أصغر من أن يحمل بندقية».

هذه المقارنة بين القلم والبندقية تنقل القصيدة من مربع الشكوى إلى مربع المقاومة بالكلمة. فالشاعرة هنا لا تعتذر عن صغر كفها، بل تعلن “حوار الصمت” والهمس كمكافئ موضوعي للثورة. إنها ترفض السرد النسائي التقليدي المهووس بالقبلة الأولى والعناق الأول، وتختار الانتماء إلى “سرد كافكا”؛ سرد القلق، العبث، والمواجهة العارية مع الوجود. إنها شاعرة فُطرت يدها على “اليراع”، وتحمل قلمها «بثبات المحارب» لتدافع عن مكانها فوق بساط الوجود، خوفاً من سقوط تراجيدي يشبه سقوط “خفي حنين” أو جثة في مستودع الموتى.

 

كما تستحضر الشاعرة رمزية عميقة وموجعة في آن واحد: «أحمل في حقيبتي مفاتيح أبواب لبيوت لم يعد لها من أثر».

 

فالمفتاح هنا هو الذاكرة، والبيت هو الهوية والملاذ. أن تحمل مفتاحاً لبيت غائب يعني أنك تعيش على حافة شتاءات عديدة، وتقتات على ألم الحنين والغياب.

 

و لكن المدهش في هذا النص هو التحول اللامعقول من الانكسار الذاتي إلى ممارسة دور “الأنبياء والمصلحين”؛ فالشاعرة، رغم حقيبتها المثقلة بالماضي، توغل في الأحلام وتعلّم الجياع طقوس الصبر وتراتيل التحمل. إنها تغرس “مشاتل الأحلام” لتوهم النفس بالحياة. هذا “الوهم” هو حيلة وجودية لضمان البقاء، وهو الذي يفرز اليقين الساخر بأن الجميع يتساوى في نهاية المطاف: «لا فرق بين قطط السرايا وقطط الشوارع».

 

و في الجزء الأخير من القصيدة، ينفجر الصمت الذي بدأ مسالماً في أول السطور. يتحول النص إلى مانيفستو ثوري يعيد صياغة وظيفة الشعر: الشاعرة لا تريد من جدائل الشعر أن تجلس صامتة، بل تريد تحريرها، تعليمها كيف تصرخ ملء الحنجرة لتقطع الطريق على “سارقي الأحلام والبسمات”.

 

وتختم الشاعرة نصها بجلد ذاتي وجَماعي جارح :

 

«نحن كنا هنا.. لكننا لم ننتبه لمن كانوا يعبرون على أجسادنا».

هذا الاعتراف الصادم بالغفلة التاريخية يعطي للقصيدة بعداً إنسانياً وسياسياً كبيراً. المفارقة تكمن في أن أولئك الذين عبروا بأقدامهم فوق الأجساد، كانوا يحملون “الخير” وعبروا به إلى الجانب الآخر، بينما بقي أصحاب الأرض والأجساد في مساحة الدهشة والندم.

 

فقد نجحت الشاعرة في نسج شبكة دلالية معقدة تراوحت بين الطبيعة القاسية (ثلج، شتاءات، بحر تلاشت أمواجه) وبين الأدوات الثقافية (المسرحية، اليراع، سرد كافكا، التميمة).

 

كما ينساب النص بإيقاع يشبه “الوميض والهمس” في بدايته، ثم