الأشاعرة والمعتزلة: معركة الإرادة الإنسانية

بقلم سالم يفوت

هل يمكن لجدلٍ لاهوتي مغرق في التجريد، اندلع قبل أكثر من عشرة قرون، أن يكون هو المتهم الأول في تكريس الاستبداد السياسي وصناعة التخلف الاجتماعي في العالم العربي المعاصر؟ في تشريحه العميق لأسس العقل العربي، يطرح الفيلسوف حسن حنفي مفارقة صادمة؛ حيث يربط بشكل مباشر بين شلل الواقع الراهن للأمة، وبين الانتصار التاريخي لمنظومة كلامية على حساب أخرى. إنها أم المعارك الفكرية بين “النزعة العقلانية المعتزلية” التي مجّدت حرية الإنسان، وبين “الهيمنة الأشعرية” التي رسّخت لعقيدة الجبر المقنّع، في صراع يرى حنفي أنه لم يكن نقاشاً حول صفات الله فحسب، بل معركة حسمت مصير المجتمعات ونقلتها من فاعلية صناعة التاريخ إلى سلبية الانتظار.

تبدأ القصة مع المعتزلة، الذين رفعوا راية “العدل والتوحيد”، وأسسوا لمنظومة تجعل من الإنسان كائناً فاعلاً، حراً، ومسؤولاً بالكامل عن أفعاله (نظرية خلق الأفعال). بالنسبة للمعتزلة، العقل هو مناط التكليف، وهو قادر بذاته على إدراك الحسن والقبح قبل ورود النص الديني. لقد دافع المعتزلة عن استقلال الوعي الإنساني، ورأوا أن العدل الإلهي يقتضي حتمية أن يكون الإنسان حراً؛ إذ لا يُعقل أن يجبر الله عبداً على فعل ثم يعاقبه عليه. هذه العقلانية المعتزلية، في قراءة حنفي، تمثل طاقة تحررية هائلة، تؤسس لمجتمع يرفض الاستكانة لظلم الواقع بحجة أنه “مكتوب”.

على الجانب الآخر، جاءت ردة الفعل الصارمة من المدرسة الأشعرية (التي أسسها أبو الحسن الأشعري)، والتي سعت لحماية التنزيه الإلهي المطلق والمشيئة الشاملة لله. رأت الأشعرية أن القول بخلق الإنسان لأفعاله يمثل انتقاصاً من قدرة الله، فصاغت نظرية “الكسب”؛ ومفادها أن الله هو الخالق الأوحد لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، بينما يقوم الإنسان بمجرد “اكتساب” الفعل أو اقتران إرادته الحادثة بقدرة الله الأزلية. يفكك حسن حنفي هذا الطرح، معتبراً إياه جذراً لـ “الجبرية” المقنعة، التي زرعت في الوجدان الشعبي قيماً سلبية مثل التواكل، والاستسلام، وإرجاء العمل، وتحويل النظرة إلى العالم كمسرح للأقدار المحتومة التي لا يملك الإنسان أمامها سوى الخضوع.

لا يقف تحليل حنفي عند حدود اللاهوت، بل يغوص في التوظيف السياسي لهذه العقائد. لقد تحولت العقيدة الأشعرية، الجبرية في جوهرها، إلى “أيديولوجيا للسلطة”. فعندما يؤمن المجتمع بأن كل ما يقع هو بقضاء وقدر لا فكاك منه، يصبح الحاكم المستبد، والتفاوت الطبقي، والفقر المدقع، مجرد تجليات للمشيئة الإلهية التي لا يجوز الثورة عليها. وفي المقابل، يمثل الفكر المعتزلي العقلاني سلاحاً للمعارضة، يمنح الجماهير المبرر الفكري للتمرد وتغيير الواقع المادي، انطلاقاً من مبدأ حرية الإنسان ومسؤوليته عن صناعة مصيره.

لا يقف الفكر الفلسفي والكلامي عند إدانة حنفي للأشاعرة، بل ينهض كبار المفكرين (من أمثال الإمام الغزالي وفخر الدين الرازي) للدفاع عن النسق الأشعري بضراوة. يجادل المدافعون بأن المعتزلة، في غلوهم العقلاني، كادوا أن يفرغوا الألوهية من فاعليتها، وحولوا الله إلى مجرد “مهندس متقاعد” لا يتدخل في كونه، وهو ما يتنافى مع الشعور الديني العميق. الأهم من ذلك تاريخياً وسياسياً، يعارض نقاد المعتزلة الأطروحة القائلة بأن العقلانية ترادف التحرر؛ مستدلين بواقعة “محنة خلق القرآن”، حيث تحول المعتزلة أنفسهم عندما امتلكوا نفوذ السلطة العباسية (في عهد المأمون والمعتصم) إلى قوة استبدادية قمعية، تمارس التفتيش في الضمائر وتسجن المعارضين، مما يثبت أن ادعاء الحرية الفكرية يسقط غالباً في وحل الاستبداد السياسي متى ما تحالف مع السلطة.

في النهاية، يرى حسن حنفي أن استمرار سيطرة النسق الأشعري على العقل العربي لأكثر من ألف عام هو السبب الجوهري وراء تغييب الإنسان وتاريخه. وأن أي نهضة مستقبلية مشروطة بقلب المعادلة: من إعطاء الأولوية للنص والغيبيات، إلى إعادة إحياء النزعة العقلانية الإنسانية التي تعيد للإنسان سيادته على الأرض.