
حين صار الوطن منفى
حين صار الوطن منفى
قصة قصيرة
بقلم الأديبة التونسية سماح بني داود
في عينيه بريقٌ لا يُشبه إلا بريق النجوم التي ترفض أن تنطفئ. هو ابني.
شابٌ ذكي، هادئ، لا يؤذي أحداً. كان الأول دائماً في دراسته، في الأنشطة الرياضية، في الموسيقى، وفي كل مسابقة يدخلها. عقله نهرٌ جارٍ من الأفكار، وقلبه وطنٌ يتسع لكل البشر.
غير أن وطنه خانه. صنّفوه تصنيفاً جائراً، ونسوا أنه إنسان. اختلف عن أغلبية مجتمعه في معتقده، فصار الاختلاف تهمة. لم يجاهر، لم يصرخ في الشوارع، لم يحارب أحداً. كان يحب السلام. عمل جاهداً على تحسين مستواه، فغاص في علوم الفيزياء والإعلامية والموسيقى، هرباً من واقعٍ مرير ومن تهديدات والده.
والده… الرجل الذي علّمه أول حروف الأبجدية، صار أول من كتب له حكم الإعدام. “إما أن تعود، أو تموت على يدي”. قالها ذات ليلة، وعيناه جمرتان. لم يكن تهديداً عابراً. أعرف زوجي، حين يغضب لا يتراجع.
بعينين دامعتين، كان ابني ينظر إلى شهاداته المعلقة على الحائط. كل واحدة منها تقول “ممتاز”، لكن وطنه كان يهمس له “مرفوض”. فهِمَ أن التميز لن يحميه إذا اختلف. وأن الوطن قد يصبح سجناً، والبيت قد يصبح قبراً.
*حاولت أن أحميه. لجأتُ إلى كبار العائلة، لكنهم أجابوني: “الأب له حق التأديب، وهذا شأن عائلي لا تتدخل فيه الشرطة”. أدركتُ حينها أن القانون في بلدنا لا يجرّم ما يفعله الأب، وأن ابني لو اشتكى، فلن يحميه أحد. بل سيزيد ذلك من غضب والده.
حزم ابني حقيبة صغيرة. لم يأخذ الشهادات، أخذ فقط خوفه وأمله. ركب طريقاً لا يعرف نهايتها، نحو أرضٍ آمنة سمع عنها أنها تقدّس الحرية ولا تضطهد أحداً بسبب معتقده.
منذ وصوله إلى تلك الأرض الأوروبية، وهو يمارس الأعمال التطوعية ليساعد الناس. وفور حصوله على حق العمل، بدأ يشتغل لأنّه يؤمن أن العمل كرامة لكل إنسان. هو لا يريد أن يكون عبئاً على أحد.
سألوه في بلد اللجوء: “لماذا تركت بلدك؟”
فابتسم بحزن وقال: “لأنني أردت أن أعيش. أبي أراد قتلي فقط لأنني مختلف. وبلدي خذلني ولم يحمني. أنا لم أخن وطني، وطني هو الذي خذلني”.
في الغربة، تعلّم ابني درساً جديداً: الكرامة ليست مكاناً، بل حق. والحرية ليست منحة من أب أو حاكم، بل نفَسٌ يستحقه لأنه إنسان.
هو الآن ينتظر. ينتظر أن تقول له هذه الأرض الجديدة: “مرحباً، هنا يمكنك أن تكون كاملاً. بمعتقدك، بعقلك، بخوفك وأملك. هنا لن يقتلك أحد لأنك مختلف”.
ابني لم يهرب من وطنه. وطنه هو من هرب منه أولاً.
وأنا، أمه، أكتب اليوم لا لأستعطف أحداً، بل لأشهد. أشهد أنني خفتُ على حياة ابني، وأنني أعرف أنه لو عاد، فلن يعود حياً. كل أم في العالم تتمنى أن ترى ابنها ناجحاً في حضنها، أما أنا، فأمنيتي الوحيدة أن أراه حياً، حتى لو كان بعيداً.











