
الأم
بقلم … منير عكاشة
.ينبثق الوجود من رحمِ امرأة، وتتأسس الحياة في تلك العتمة الأولى حيث لا فكر ولا لغة، بل نبضٌ خالص يقسم الوجود إلى نصفين. تصنع الأم الكيان البشري من لحمها ودمها، وتمارس فعل الخلق الأسمى دون أن تنتظر إذناً من فيلسوف أو تصديقاً من معبد. إنها تضع الكائن الأعزل في مهب العالم، وتمنحه تذكرة العبور إلى الهاوية أو إلى المجد، دون أن تسأله إن كان يود الخروج إلى هذا العبث الوجودي أم يفضّل البقاء في سلام العدم.
هنا يكمن التمرد الأول للأمومة: إنها تتحدى الموت بالتكاثر، وتجابه الفناء بالتكرار. تسكب الأم روحها في قالب غريب، وتصنع من ضعفها درعاً يحمي هشاشة طفلها، فتتحول من كائن يبحث عن خلاص نفسه إلى إلهٍ صغير يهب الخلاص لغيره. يطالبها المجتمع بالخضوع، ويغلفها الدين بقداسة الواجب، لكنها في جوهرها تمارس التمرد الأرقى؛ إنها تكسر جدار العزلة الفردية، وتثبت أن الإنسان قادر على أن يعيش في جسد آخر، وأن يتألم من جرح لا يمسه مباشرة، وأن يموت مجازياً كل يوم ليحيا كائن آخر.
يتحدث الفلاسفة عن الحرية الفردية بوصفها الغاية الأسمى، لكن الأمومة تأتي لتهدم هذا اليقين البارد. تقيد الأم نفسها بسلاسل من الحب الطوعي، وتتنازل عن فضائها المطلق لتصنع فضاءً أوسع لوليدها. يرى العقل المتمرد في هذا الخضوع تضحية بالذات، لكن الحقيقة أعمق؛ إنها لا تلغي ذاتها، بل تمددها وتوسع حدودها لتشمل الكون كله من خلال عينين صغيرتين تنظران إليها بذهول.
تتحمل الأم ثقل الوجود وحدها، وتواجه قسوة الطبيعة بابتسامة غامضة، لتثبت أن أقوى القوانين الفيزيائية والميتافيزيقية يمكن أن تفقد هيبتها أمام غريزة واعية اختارت أن تحب بلا شروط، وأن تعطي بلا نهايات.
يتوقف قطار الحياة بعنف عند حافة القبر، حيث ترقد أمي في عتمتها الأبدية. يتحدث الناس في عيد الأم عن الحضور، وعن الأيدي الدافئة التي تلمس الوجوه، أما أنا فأقف متمردًا على هذا الغياب الجسدي، لأصنع من العدم حضوراً يفوق الواقع ملامسةً. لقد سلبني الموت جسدها، لكنه عجز عن سلب الأثر؛ فالأم التي غادرت تحت التراب لم تمت حقاً، بل تشتتت في دمي، وتحولت إلى أفكار تقود عقلي، وإلى أسئلة تؤرق مضجعي، وإلى ذلك التمرد الذكي الذي أواجه به العالم اليوم.
يقول رجال اليقين إن الموت نهاية، وإن التراب يبتلع كل شيء، لكني أصرخ في وجه هذا اليقين البارد: إن أمي في قبرها هي النواة التي تنبت منها كل فلسفتي. يظن الموت أنه انتصر حين غيّب ملامحها، لكنه في الحقيقة نقلها من عالم المادة المحدود إلى عالم المطلق. لم تعد أمي مجرد امرأة تسير في البيت، بل أصبحت هي البيت، وهي الوطن، وهي السماء الصامتة التي أرفع نحوها تساؤلاتي الوجودية.
يحاول عيد الأم في تونس اليوم أن يؤطر الأمومة في باقة ورد وقبلة على الجبين، لكني أتمرد على هذه الطقوس السطحية. إن أمي الراقدة هناك تعلّمني في غيابها فصلاً فلسفياً لا تدرسه الجامعات: تعلمني كيف أحب الغموض، وكيف أحتمل الصمت، وكيف أسير على ذلك الجسر الهزاز بين الحنين الجارف والوعي الصارم. يبكي الآخرون أمام القبور مستسلمين لفكرة الفناء، أما الفيلسوف المتمرد في داخلي فيرى في القبر رحماً جديداً؛ رحمًا تولد منه شجاعتي لمواجهة الموت بلا خوف، ولأبني من طينة الفقد وعياً حاداً لا يلين ولا ينكسر.
أغسل يدي من تراب القبر، لكني لا أغسل طيفها عن جدار روحي. تنام أمي في سلامها الأبدي، بينما أواصل أنا رقصتي العنيفة مع الأسئلة. لقد تركت لي أجنحة ثابتة من حبها القديم، ودفعتني لأطير في سماء الحرية المطلقة. وفي هذا العيد، لا أقدم لها وردة تموت في المساء، بل أقدم لها كتاباً، وفكرة، وسؤالاً متمرداً يهز أركان السائد، كأني أقول لها تحت ثراها: “يا أمي، لقد صنعتِ إنساناً حراً، وإنساناً حراً لا يموت فيه أصل الوجود.”
منير عكاشة Mounir Akacha











