لماذا يفشل الأذكياء أحيانًا؟
ليس الفشلُ كما يتوهم السذج نقيضَ الذكاء، ولا هو دليلٌ على غياب الفطنة، بل لعلّه في كثيرٍ من الأحيان ابنٌ شرعيٌّ لذلك الذكاء إذا انفلت من عقاله، أو استبدّ بصاحبه حتى أعماه عن مواضع ضعفه. فكم من ذكيٍّ أخفق حيث نجح متوسطو القدرات، وكم من لامعٍ خبا نوره حين ظنّ أنه لا يخبو.
إن الذكاء، في حقيقته، أداةٌ لا غاية، ووسيلةٌ لا نتيجة. وهو كالسيف في يد صاحبه: إن لم يُحسن استعماله، انقلب عليه أو خذله في ساعة الحاجة. وما أكثر ما يغترّ الذكي بحدّة ذهنه، فيحسب أنه قادرٌ على اختصار الطريق، والقفز فوق المراحل، وتجاوز السنن التي لا تُحابي أحدًا. وهنا يبدأ الفشل في التشكّل، لا من نقصٍ في الفهم، بل من فرط الثقة به.
ولعلّ أول أسباب إخفاق الأذكياء هو وهم الاستغناء عن الجهد. فالذكي يرى ما لا يراه غيره، فيفهم بسرعة، ويستوعب بيسر، فيتوهم أن الفهم يغني عن العمل، وأن الإدراك يكفي عن الممارسة. لكنه ينسى أن المعرفة بذرة، والعمل هو التربة والماء والهواء. فكم من فكرةٍ لامعةٍ ماتت في رأس صاحبها لأنها لم تجد يدًا تسقيها، ولا صبرًا يرعاها حتى تنضج.
ثم يأتي داء الكمال، وهو داءٌ راقٍ في مظهره، قاتلٌ في جوهره. فالذكي لا يرضى إلا بأفضل صورة، ولا يقنع إلا بأتمّ نتيجة، فيؤجل البدء حتى تكتمل شروطه، وتتهيأ له مثاليّاته. لكنه يظل ينتظر، حتى يفوته الزمن، ويمضي الركب، ويبقى هو سجين تصوّراته. إن الكمال في عالم الواقع سرابٌ يلوح ولا يُنال، ومن طلبه على إطلاقه، خسر الفعل وأضاع الفرصة.
ومن أسباب الفشل كذلك الإفراط في التحليل، وهو ما يُسمّى اليوم “شلل القرار”. فالذكي يرى الاحتمالات الكثيرة، ويُدرك التعقيدات الخفية، فيتردد بين الخيارات، ويغرق في حساب العواقب، حتى يعجز عن الحسم. بينما يمضي غيره ممن قلّ نظره واتسع عزمه فيختار طريقًا ويُكمله، فيُخطئ مرة ويصيب أخرى، لكنه يتقدّم على كل حال. وهكذا يصبح الذكاء، إذا لم يُقترن بالشجاعة، عبئًا يُثقل صاحبه بدل أن يرفعه.
ولا يُغفل هنا عامل الغرور الخفي، الذي يتسرّب إلى النفس في ثوب الثقة. فالذكي قد يستنكف عن طلب المشورة، أو يقلّل من شأن التجارب البسيطة، أو يأنف من الأعمال الصغيرة التي يراها دون مستواه. فيُحرم بذلك من خبراتٍ عملية، ومن تصحيحٍ مبكر لأخطائه، حتى إذا واجه الواقع، وجده أعقد مما ظنّ، وأشدّ مقاومةً مما تصوّر.
ثم إن الحياة في جوهرها ليست امتحانًا في الذكاء وحده، بل هي ميدانٌ تتداخل فيه عناصر شتّى: الصبر، والانضباط، والمرونة، والقدرة على التحمّل، وحسن التعامل مع الناس. وهذه ملكاتٌ قد لا تكون للذكي بالضرورة، بل ربما تفوّق عليه فيها من هو دونه ذكاءً. فكم من إنسانٍ متوسط الفطنة، عظيم المثابرة، بلغ ما لم يبلغه نابغةٌ متقلب المزاج، سريع الملل، قليل الاحتمال.
ومن هنا ندرك أن الذكاء على جلال قدره لا يعصم من الفشل، بل قد يكون، إذا لم يُهذّب، سببًا فيه. فالنجاح ليس ثمرة عقلٍ لامعٍ فحسب، بل هو حصيلة توازنٍ دقيق بين الفكر والعمل، بين الرؤية والتنفيذ، بين الطموح والواقعية.
وما أحوج الذكي إلى أن يتعلّم ما يظنّ أنه يعرفه: أن يبدأ ولو لم تكتمل الصورة، وأن يعمل ولو لم تضمن النتائج، وأن يقبل النقص بوصفه مرحلةً لا نهاية. فالعبرة في خاتمة المطاف ليست بما تعرف، بل بما تصنع، ولا بما تفهم، بل بما تُنجز.
إن الأذكياء لا يفشلون لأنهم أقل قدرة، بل لأنهم أحيانًا أكثر تردّدًا، وأشدّ تعلقًا بصورةٍ مثاليةٍ لا وجود لها، وأميل إلى الاكتفاء بما يدور في عقولهم دون أن يهبطوا به إلى أرض الواقع. فإذا أدركوا هذه الحقيقة، وصالحوا أنفسهم مع حدودهم، صار ذكاؤهم قوةً دافعة، لا عبئًا معيقًا، ومصباحًا يُنير الطريق، لا وهجًا يُعمي الأبصار.
د. محمد عبد العزيز محمد




































