زفافٌ … وطلاق … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 24 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
نشأ موسى في بيتٍ ميسور، تحيطه عناية أبٍ صارم، ودفء أمٍ حنون، وبين إخوةٍ وأخواتٍ تقاسم معهم طفولة هادئة. دخل المدرسة مبكرًا، وكان مثالًا للانضباط: دفاتره نظيفة، وملابسه مرتبة، وعقله متقدٌّ يسبق عمره بخطوات. كان الجميع يراهن عليه. لكن الذكاء، حين يفيض، قد ينقلب على صاحبه.
في ليلةٍ غامضة، انطفأ شيءٌ ما في رأس موسى. لم يكن مرضًا عابرًا، بل غيابًا مفاجئًا للعقل، كأن بابًا أُغلق من الداخل بلا مفتاح.أخذه أهله إلى الأطباء، تنقّلوا به بين المراكز، أنفقوا المال بسخاء، غير أن العلاج لم يردّ الغائب. كثرت الحبوب، وتتابعت الإبر المهدئة، حتى صار موسى هادئًا أكثر مما ينبغي، نحيل الجسد، شارد النظرات. خرج إلى الشارع، وصار جزءًا من طرقات البلدة: يمشي بلا وجهة، وقد يصل أحيانًا إلى أطراف القرى المجاورة.
كان يحمل عصًا طويلة، يعلّق عليها كيسًا قماشيًا، يجمع فيه ما تصادفه يداه ” علبة فارغة ، قماشة مهترئة ” . لم يؤذِ أحدًا قط. الأطفال يسخرون منه وينادونه، فيردّ بصوت خافت مهذب: «اتركوني».
وبعض المارة كانوا يحنّون عليه، يعطونه طعامًا أو ثوبًا أو حذاءً، ثم يمضون.
خاف أهله على أملاكهم أكثر مما خافوا عليه. خطرت لهم فكرة الزواج، ظنًا منهم أن الزوجة ستحفظ ما لم يحفظه العقل. فاختاروا له فتاة من خارج البلدة، لا تعلم عن حاله إلا أن أهله ” أصحاب أراضي ” . زُفّ في قاعة فاخرة، وحضر المئات: موسى المسكين بالأمس، عريس اليوم. كان يوماً مشهوداً ، تحّدثت عنه الألسنة طويلاً .
لم يكن أهل العروس يعرفون حقيقة حاله، أو لعلهم لم يريدوا أن يعرفوا. الذي علق في أذهانهم شيء واحد: الأراضي الكثيرة. جهّزوا الذهب والمسكن والملابس، من غير أن يصطحبوا العروسين، اتقاءً للحرج، أو هكذا قالوا.
بعد أيام معدودات، عادت العروس إلى بيت أهلها. عادت محروقة الجسد… ومحروقة الروح.
كانت قد احترقت وهي طفلة، فحملت ندوبها قدرًا صامتًا. لكنها احترقت مرةً أخرى وهي امرأة، حين زُوّجت طمعًا، لا رحمة فيه ولا عدل. كانت سليمة العقل، لكن عقلها لم يحمها من أهلٍ باعوها، ولا من مجتمعٍ صامتٍ لا يرحم.
اختفى موسى أيامًا. لم يره أحد في الشوارع. ثم عاد كما كان: العصا، والكيس، والتيه القديم. يطلب من المارة شيكلًا، أو سيجارة «إمبريال» التي اعتادها.
شوهد يومًا أمام عمارة كبيرة، يبتسم للموظفين والمراجعين. لم يبادلوه السلام، بل طلبوا منه الابتعاد، وبعضهم طرده بعصبية :” انصرف من هنا ” . لم يعترض، ولم يفهم، فقط ابتسم ومضى. مضت الحكاية، وبقي موسى مسكينًا، وبقيت هي مظلومة.
وهكذا بقي موسى _ ومئات غيره _ يتيهون في شوارع الحياة ، مساكين لا ذنب لهم إلا أنهم ولدوا ” غلابى ” ضحايا مرض لم يختاروه ، وطمع لم يستحقوه ، وقسوة مجتمعية لا ترحم الضعف إلا نادراً ، وتبقى حياتهم سؤالاً معلقاً في وجه الإنسانية ، التي كثيراً ما تنسى أن الرحمة قد تكون أجمل أنواع العقل .




































