مجد في يوم الأم
حكايات في رمضان
الثالثة والعشرون
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
في ذلك الصباح الثقيل، كان ” مجد ” يجلس إلى جوار أمه في المركبة المتجهة نحو معبر الحدود. لم تكن الطريق طويلة، لكنها بدت أطول من قدرة القلب على الاحتمال. كانت دموع الأم تنساب بصمت على خدّيها، كأنها تعرف أن هذا الوداع لن يكون عابرًا.
وحين توقفت المركبة، وحانت لحظة الفراق، ازداد بكاؤها غزارة. نزل مجد، وقبّل رأس أمه ويديها، كما قبّل رأس أبيه، ثم مضى بخطوات حاول أن يجعلها ثابتة، بينما كان قلبه يتفتت خلفه.
عبر مجد إلى الأردن قادمًا من فلسطين، ثم شدّ رحاله إلى أمريكا، يحمل معه دعوات أمٍ لم تكفّ عن ملاحقته ، حاملاً في حقيبته أحلاماً وغربة ، وفي قلبه صورة أمه الباكية .
عادت الأم إلى بيت خلا من ضحكة ولدها ، وامتلأ بظله ، مثقلة بالهم، لا يهدأ لها بال، ترفع كفّيها إلى السماء كل يوم، تسأل الله أن يوفقه ويحفظه.
لم تعد تعرف لطعام طعمًا، ولا للنوم سكينة. كان مجد حاضرًا في ذاكرتها ، كانت تراه في كل زاوية ، طفلاً يلعب ، فتى يدرس ، شاباً يودع ، كأنه يقف أمامها، يبتسم لها، ويطمئن قلبها المتعب. لقد ربّته بصدق، وكانت له أمًا ومربية، امرأة ماجدة بمعنى الكلمة، زرعت فيه خصال الرجولة الحقة ، فصار هو الآن ، بعيد الجسد ، قريب القلب .
وفي غربته، بحث مجد عن عمل، فلم يخيّب الله سعيه. كان يعرف أن رضا والديه زاده الحقيقي، وأن الدعاء الذي يرافقه أقوى من كل سند. التزم بصلاته، ولم يقطع صلته بالمسجد القريب من مسكنه، كأن الإيمان هو الوطن الذي لم يفارقه.
أرسل المال لأهله، واشترى الأراضي، وبنى مستقبله بهدوء. ورغم صغر سنه، كان رجلًا في تحمّله ومسؤوليته.
وفي يوم الأم، أراد أن يكون حاضرًا بطريقته. أرسل مبلغًا من المال إلى إخوته، وطلب منهم أن يشتروا هدية لأمه، وأن يخفوها في خزانتها. وحين طلبوا منها أن تفتشها، لم تكن تعلم أن مفاجأة القلب تنتظرها.
فتحت الخزانة، فوجدت الهدية ، وعلى الغلاف صورتها ، وتحتها عبارة بسيطة هزّت كيانها: “من مجد إلى أمه في عيدها.”
أمسكت الهدية بيدين مرتجفتين ، ضمّتها إلى صدرها، كأنها تضم ابنها الغائب الحاضر ، وتحاول أن تستعيد منها دفئه الضائع ورائحته الغائبة .
انهمرت دموعها بحرقة صامته هزت أركان الغرفة ، فلم يتمالك إخوته أنفسهم ، وبكوا معها لبعد أخيهم ولعظمة هذا الحب الذي يتحدى المسافات .
وبعد أن هدأت قليلًا، رنّ الهاتف _ صوت جاء من وراء البحار ، دافئاً وحنونا : «لم ولن أنساكِ يا أمّي، أنتِ أمامي أينما حللتُ ورحلتُ.»
هنّأها، ودعا لها بطول العمر والبركة.
وأن يهون الله عليها فراقه ، دعت له بالتوفيق والحفظ، وأغلقت الهاتف… ثم بكت من جديد.
لكنها كانت هذه المرة دموع أمٍّ تعرف أن ابنها، مهما باعدت بينهما المسافات، ما زال يسكن القلب، ولم يغادره يومًا.




































