المرأة بين التكريم والتقدير
8 مارس 2026م
د. محمد عبد العزيز
ليس في تاريخ الإنسانية قضيةٌ أكثر بداهةً من قضية المرأة، ومع ذلك قلّما عولجت ببداهتها. فهي نصف المجتمع حسابًا، ولكنها في الحقيقة أكثر من نصفه أثرًا؛ لأنها المهد الذي يتكوّن فيه الإنسان، واليد التي تمتدّ به أول مرة إلى العالم. ومن هنا كان الاحتفاء بالمرأة في يومٍ خُصِّص لها مثل يوم الثامن من مارس، المعروف عالميًّا باسم اليوم العالمي للمرأة ليس مجرّد مناسبةٍ عابرة، بل تذكيرٌ بمعنى أصيلٍ في بناء الحضارة.
إن الأمم لا تُقاس بوفرة ما تملك من المعادن ولا بسعة ما تمتدّ إليه من الأرض، بل تُقاس بما تُقيمه من ميزان العدل بين أبنائها وبناتها. فإذا ارتفعت المرأة في المجتمع ارتفعت معه إنسانيته، وإذا هُضمت حقوقها انكشف في بنيانه خللٌ لا تُصلحه كثرة الموارد ولا ضجيج الشعارات. لأن المرأة ليست قضية فئةٍ تُطالب بحظها، بل قضية إنسانٍ يُطالب بكرامته.
لقد عرف التاريخ عصورًا كانت المرأة فيها ظلًّا للرجل، تُرى من خلاله ولا تُرى بذاتها. وكان ذلك في أكثر أحواله نتيجة خوفٍ من قدرتها لا استخفافٍ بها. فالضعيف هو الذي يخشى الشريك، أما القوي فهو الذي يعرف أن القوة لا تنقص بالمشاركة، بل تزداد بها رسوخًا. وما من حضارةٍ نهضت إلا حين أدركت أن العقل لا يُقاس بجنس، وأن الفضيلة لا تُوزّعها الطبيعة بين الرجال والنساء بحصصٍ متفاوتة.
إن المرأة حين تُربّي طفلًا لا تُنشئ فردًا فحسب، بل تُنشئ مستقبلًا. وما من فكرةٍ عظيمةٍ ظهرت في العالم إلا وكان في أصلها أمٌّ علّمت، أو امرأةٌ ألهمت، أو روحٌ أنثويةٌ بثّت في صاحبها معنى الرحمة والاتزان. فالقوة التي تبني لا تكون دائمًا في قبضة اليد، بل كثيرًا ما تكون في رقة القلب الذي يعرف متى يقسو ومتى يلين.
وليس من الحكمة أن يُفهم تكريم المرأة على أنه مجاملةٌ عاطفية؛ فإن المجاملة لا تُقيم حقًّا ولا تُصحّح ميزانًا. إنما التكريم الحقيقي أن تُعامل المرأة بوصفها عقلًا مسؤولًا، وضميرًا حرًّا، وقدرةً فاعلة في الحياة العامة والخاصة. فإذا قُيِّدت بحجة الحماية أُضعفت، وإذا أُهملت بحجة الحرية ضاعت، وإنما الاعتدال أن تُتاح لها الفرصة التي تُظهر بها طاقتها، وأن تُحاسَب كالرجل على ما تختار.
وقد أخطأ بعض الناس حين ظنّوا أن مكانة المرأة لا تقوم إلا على منافسة الرجل في كل شأنٍ من شؤونه. فليست المسألة صراعًا بين قوتين، بل تكاملٌ بين طاقتين. للرجل مزاياه التي تُعينه على بعض الأعمال، وللمرأة خصائصها التي تُبدع بها في مجالات أخرى، وكلاهما يشتركان في جوهر الإنسانية الذي لا ينقسم. فإذا أدرك المجتمع هذا التكامل، تحوّلت العلاقة بينهما من تنازعٍ إلى تعاون، ومن مقارنةٍ إلى مشاركة.
إن أعظم ما تحتاجه المرأة ليس الاحتفال بيومٍ واحد، بل الاعتراف الدائم بقيمتها في كل يوم. ذلك الاعتراف الذي يظهر في التعليم العادل، والعمل الكريم، والاحترام الصادق. لأن الكرامة لا تُمنح بقرارٍ احتفالي، بل تُبنى بنظامٍ اجتماعي يرسّخها في العقول والقلوب.
ولقد أثبتت المرأة في ميادين العلم والعمل والفكر أنها حين تُتاح لها الفرصة لا تقلّ عطاءً عن الرجل، بل قد تفوقه صبرًا ودقّةً ووفاءً للواجب. وما هذه الشواهد المتكاثرة في العالم إلا دليلٌ على أن الطاقات التي حُجبت زمنًا طويلًا بدأت تجد طريقها إلى النور.
غير أن القضية في جوهرها ليست قضية حقوقٍ فحسب، بل قضية تقديرٍ لمعنى المرأة في حياة الإنسان. فهي ليست منافسةً للرجل على إنسانيته، بل شريكته في صنعها. وهي ليست رقمًا يُضاف إلى تعداد السكان، بل روحٌ تُضيف إلى العالم حسًّا من الرحمة والحنان لا يستقيم بدونه ميزان الحضارة.
ومن هنا كان يوم المرأة العالمي تذكيرًا لا احتفالًا، وتنبيهًا لا مجرّد مناسبة. تذكيرًا بأن المجتمع الذي يُنصف المرأة إنما يُنصف نفسه، وأن الحضارة التي تُكرمها إنما تُكرم مستقبلها. فإذا وقف الناس في هذا اليوم يتحدثون عن المرأة، فليتحدثوا عنها كما ينبغي: لا بوصفها قضيةً مؤقتة، بل بوصفها أصلًا من أصول الحياة.
فما كانت الإنسانية إنسانيةً إلا لأنها عرفت المرأة أمًّا تُربي، وعقلًا يُفكّر، وقلبًا يُحب. وفي هذا المعنى وحده يكمن سرّ استمرارها، وسرّ قدرتها على أن تبدأ كل جيلٍ جديد من جديد.




































