وَهْمُ الظِّلِّ
أُطِلُّ مِنْ شُرْفَةِ الصَّمْتِ،
فَيُطَالِعُنِي المَسَاءُ
بِعَيْنَيْهِ المُتْعَبَتَيْنِ،
كَأَنَّهُ يَحْمِلُ سِيرَتِي
وَيَنْسَاهَا عِنْدَ أَوَّلِ نَجْمَةٍ.
لَا شَيْءَ
سِوَى أَثَرٍ خَفِيفٍ
تَرَكْتُهُ عَلَى تُرَابِ الأَمْسِ،
وَظِلٍّ
يَتَعَلَّمُ المَشْيَ خَلْفِي
دُونَ أَنْ يَسْأَلَ: إِلَى أَيْنَ؟
أَمُدُّ كَفِّي
فَلَا يُمْسِكُهَا سِوَى الهَوَاءِ،
وَالهَوَاءُ – كَمَا العَادَةِ –
أَكْثَرُ الأَصْدِقَاءِ خِفَّةً،
وَأَقَلُّهُمْ بَقَاءً.
يَمُرُّ الفَرَحُ
كَطَيْفِ مَطَرٍ
لَمْ يُبَلِّلْ سِوَى وَجْهِ الغَيْمَةِ،
وَيَتْرُكُنِي
أُجَرِّبُ صَوْتِي
فِي قَاعَةٍ خَالِيَةٍ
إِلَّا مِنْ صَدًى
يُصَفِّقُ لِوَحْدَتِي.
أَسْأَلُ:
كَيْفَ يَكْتُبُ القَلْبُ وَعْدَهُ
إِذَا كَانَ الحِبْرُ مِنْ رَحِيلٍ؟
وَكَيْفَ يُرَبِّي الأَمَلَ
إِذَا كَانَتِ الأَرْضُ
تُخْفِي جُذُورَهَا عَنِ الضَّوْءِ؟
كَانَتِ الرُّوحُ
تُرَتِّبُ خُسَارَاتِهَا
كَمَنْ يُرَتِّبُ كُتُبًا عَلَى رَفٍّ عَالٍ،
تَضَعُ الحُلْمَ فِي الأَعْلَى،
وَتُخْفِي التَّعَبَ
فِي الدَّرْجِ السِّرِّيِّ
حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ.
أَيُّهَا الوَقْتُ المُتَقَلِّبُ،
لَا أُرِيدُ مِنْكَ مَدِيحًا،
وَلَا سَاعَةً مِنْ ذَهَبٍ؛
فَقَطْ
أَنْ تَرُدَّ لِلخُطَى ثِقَتَهَا،
وَتُعَلِّمَ الأَبْوَابَ
أَلَّا تُغْلَقَ كُلَّمَا خِفْنَا.
أَنْ يَخِفَّ الوَجَعُ
حَتَّى يَصِيرَ ظِلًّا،
وَأَنْ يَكْبُرَ الأَمَلُ
حَتَّى يُصْبِحَ شُرْفَةً
نُطِلُّ مِنْهَا عَلَى أَنْفُسِنَا
دُونَ أَنْ نَرْتَجِفَ.
لَمْ يَبْقَ لِي
سِوَى قَلْبٍ يُجَاوِزُ عَثَرَاتِهِ،
وَطَرِيقٍ
يُقْنِعُنِي كُلَّ يَوْمٍ
أَنَّ الوُصُولَ
لَيْسَ اسْمَ مَكَانٍ،
بَلْ طَرِيقَةُ مَشْيٍ.
وَأَنَا
عَلَى حَافَّةِ ضَوْءٍ ضَئِيلٍ،
أَكْتُبُ أُمْنِيَّتِي
كَأَنَّهَا نَبْضٌ أَخِيرٌ
لَا يُرِيدُ أَنْ يَمُوتَ:
أَنْ يَكُونَ الغَدُ
أَقَلَّ وَحْشَةً مِنَ اليَوْمِ،
وَأَنْ تَعُودَ الأَسْمَاءُ
إِلَى مَعَانِيهَا،
وَأَنْ نُصَالِحَ ظِلَّنَا
قَبْلَ أَنْ يُسَافِرَ
دُونَنَا.
بقلم الشاعر
مؤيد نجم حنون طاهر
العراق



































