طوفان درنة  “قصة واقعية”

 

بقلم: أسماء القرقني ….درنة …ليبيا

 

جلستُ امام ماكينة الخياطة كعادتي كل ليلة ، اسابق الوقت لأكمل مابيدي ، المدارس على الأبواب والكل يريد  ملابسه في الوقت المناسب .

 

“رحمه الله ، ارجو ان اوفق في حمل المسؤلية من بعده “،مسحت دمعة سقطت رغماً عني وانا اتذكر زوجي الطيب وجهاده المتواصل ليوفر لي ولابنائنا الخمسة كل مانطلبه ، الحمل كان ثقيلاً عليه ،ربما لم اعرف ذلك الا عندما حللت مكانه.

لم يقطع حبل افكاري الا  طرقات قوية على الباب الخارجي ، حدقت في ساعة الحائط وقلبي يدق بعنف ،  الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل (اللهم اجعله خيراً ) .

 

-ياعمتي اطلعوا بسرعة للسطاح ، الوادي  جانا.

 

كان ابن جيراننا يتحدث على عجل  والذعر يتجلى في عينيه وكل قسماته.

اتجهت وابنائي الخمسة الى السطح بسرعة ، بعد وقت يسير وجدنا الماء يحيط بنا من كل جانب ، طلبت منهم ان يتمسكوا ببعضهم جيداً  وان يكبروا ويستغفروا ،  مال البيت ثم تهاوى  وكأنه بيت من رمال وذهب كل منا في اتجاه ، ، كان الماء يغمرني احياناً  فأتشهد وارى الموت   ماثلاً  امامي ثم ينتشلني فجأة ويعلو بي مرة اخرى، شعرت بشيء ثقيل ورائي لم اعرف ماهيته ، قربني الماء من بلكونة احدى الشقق في الدور الخامس، تشبثت بها ، نظرت خلفي فإذا ذلك الثقل الذي شعرت به كان سيارة تلاحقني ، شاء القدر ان يأخذها التيار الى مسار آخر قبل ان تطحنني  على جدار الشرفة ، رأيت رجال على ضوء هواتفهم في العمارة الضخمةالمجاورة ، طلبت منهم المساعدة لكنهم ابدوا قلة حيلتهم فالماء في الشارع كالجبال يأخذ كل شيء امامه  دون رحمة ، نصحوني بضرورة القفز الى البلكونة وتحطيم الزجاج قبل ان يغمر الماء المكان بالكامل ،  كانت اصوات تشجيعهم ومحاولاتهم  لانقاذي حافزاً لي  لتكرار المحاولة ،  “سأنجو من اجل ابنائي لن اتركهم وحدهم “.

بعد محاولات مضنية نجحت في القفز وتحطيم زجاج النافذة ، جرحت اصابعي ودراعي  جراح بالغة لكنني لم اشعر بها ، سمعتهم يكملون ما بدأوه ويطلبون من الرجال الموجودين على سطح العمارة التي قفزت بها انقاذي ، الاعياء بلغ مني مبلغاً كبيراً عندما وصلت السطح ، صور ابنائي تراقصت امامي ، اصوات صراخهم  ، لحظة تهاوي بيتنا ، الدنيا تدور وتدور  ولم اعد اعي شيئاً مما حولي.

.

لم اصدق جواب كل من سألته عنهم ذلك الصباح المشؤوم:

-ابنائك في عداد المفقودين ، تفقدي الجثث ربما تجدينهم.