
الأخضر بن يوسف ومشاغله
الأخضر بن يوسف ومشاغله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبيٌّ يقاسمني شقّتي
يسكن الغرفةَ المستطيلة
وكلَّ صباحٍ يشاركني قهوتي والحليبَ، وسرَّ اللّيالي الطّويلة
وحين يجالسني،
وهو يبحث عن موضعِ الكوبِ في المائدهْ
_ وكانت فرنسيّة من زجاجٍ ومعدِنْ _
أرى حولَ عينيهِ دائرتينِ من الزّرقةِ الكامدة
وكانت ملابسنا في الخزانةِ واحدةً:
كان يلبسُ يوماً قميصي
وألبس يوماً قميصه
ولكنّه حين يحتدُّ…
يرفضُ أن يرتدي غيرَ بُرنُسهِ الصّوفِ…
يرفضني دفعةً واحدةْ
ويدخلُ كلَّ المزارعِ:
يحرثُ
أو يشتري سكّراً
أو يقولُ العلامةْ
ولما التقينا على حافّةِ البارِ
أخرج من جيبه زهرةً، وانحنى
هامساً: إنّها لي… أتيت بها
عبْرَ أسوارِ “وَجدَةَ” حيث الحدود
الّتي ما تزال معاركَ… لكنّها
_ يقدّمُ لي زهرةَ الآس _ ملْكٌ
لكَ الآنَ… افعل بها ما تشاءُ
سوى أن أراها بجيبكَ ذابلةً…
آهِ؛ وجدةُ، وجدةُ… إنّ طريقَ “الصّخيراتِ”
يغلقه الحرسُ الملكيُّ… أتيتُ بها
من هناكَ، وخبّأتها بين جلدي وأحذيةِ
الحرسِ الملكيّ الّتي أثقلتْها المساميرُ
_ يكشف لي صدرَه مسرعاً، ثمّ
يُغمضُ عينيه _ وجدةُ… وجدةُ…
كيف تكونين لو جئتِ عندي!
يرافقني في زيارة محبوبتي…
ثمّ يدخل قبلي
يقبّلها في الجبينْ
وينظر في مقلتيها طويلاً، ويجلسُ في آخرِ الحجرةِ المعتمة
وإذ أرسُمُ الرّغبةَ المبهمهْ
وسائدَ، أو منزلاً
يرسمُ الرّغبةَ المفعمهْ
نسوراً – طباشير، فوق الجدار الّذي يحمل النّافذهْ
ويدنو…
ليأخذَ كفَّ الفتاةِ (أنا جالسٌ لِصْقَها)
ثمّ يمضي بها خارجَ الحجرة ِ المعتمهْ
على باب سبتةَ كان رجالُ الجوازاتِ خلفَ مكاتبهم
يحتسون النّبيذ الرّديء
وفي البعدِ…
حيث المدينةُ في ليلة العيدِ
تخترق الشّهبُ الاصطناعيّةُ الأفقَ المتلبّدَ
كانت تضيءُ
تضيءُ
تضيءُ
وظلً رجالُ الجوازات خلفَ مكاتبهمْ
يعلكون النّبيذَ الرّديءْ
تتبّعتُهُ، خجلاً، ما يزالُ الذّراعانِ معتنقينِ،
انتظرتُ قليلاً أمام التّقاطعِ، كانت
فتاتي تشير إلى واجهاتِ المخازن ضاحكةً…
كان يسخر منها، مشيراً إلى الشّجرِ المتطاولِ
في مدخل المسبحِ البلديّ… استدارا،
فأسرعتُ خطوي وراءهما… ها هما
يدخلان الحديقةَ: هل تبصرينَ الغصونَ الصّغيرةَ؟
هل تلمسينَ بها الخضرةَ البِكرَ؟ هل تسمعينَ
بها النّبضَ مندفعاً؟ قرّبي ذلك الغصنَ
منكِ… إجعليه لصيقَ ذراعِكِ… كوني
له نُسْغَهُ، وليكن في ذراعيكِ منهُ
ارتسامُ الوريقاتِ… حرّيّةُ الطّفلِ حينَ
يلامسُ أهدابهُ في المرايا.
وقبّلَ زندَ الفتاةْ!
سأستخدمُ اسمَكَ…
معذرةً
ثمّ وجهَكَ…
أنت ترى أنّ وجهكَ في الصّفحة الثّانيةْ
قناعٌ لوجهي
وأنت ترى أنّني أرتدي الربطةَ القانيةْ
أتذْكُرها؟
يوم كنا معاً في “الحسيمَةِ”
حيث اهتدينا إليها
ويومَ قصدتَ المصوَّرَ، قبلَ جوازِ السّفرْ
وقبلَ السّفرْ
وقد كنتُ ألححتُ أن ترتديها
رجالُ الجوازاتِ خلفَ مكاتبهم
يعلكونَ النّبيذَ الرّديءُ
وكان جوازُ السّفرْ
يُطالعهم، واحداً، واحداً…
بين أختامهم والنّبيذِ الرّديءْ
بغداد، 25/5/1972
.
سعدي يوسف
العراق











