شُواظٌ و أصفاد تحت الرّماد 

شُواظٌ و أصفاد تحت الرّماد

 

.. في إحدى تَمفصُلات الزّمن المُجْحِف ،

و حين كانت بِطَورها الجَنِيني تتبرعم

في أرحام الغُيوب فسائلٌ ما، كان الإحياء

في الثّاني و العشرين من أغسطس الشّادِي

يومها ، بالكاف و النّون ابتدأت السّرديّة بأعبائها تَنُوء ، و الدّهرُ لا يَبُوءُ إلا بالعِنادِ

و في زمن الطّرابيش و الحمير و الحناطير

و مصابيح النّفط و قناديل ” الكَارْبِيلْ ”

كان النُّشوء على مِحْناتِ مُزمنة و بالمرصادِ

مَتاربُ و مَساغب … مُعوِّقاتٌ و مصاعب

قلنا هيّن ذاك الأمر ، فالحياة كلّها متاعب

و الهمُّ في أرض العروبة لا يُبالي بالحيادِ

حتما لستُ أَعِيها ، تلك رواية باهتة و غبيّة

أَوْرَثَتْنِيها كَواغِذ صّفراء شاحبة كَلَوْن البلادِ

لذا سأعيد الآن للتّاريخ تصحيف الشّهادة

و أنسخ في السِّجلِّ المدنيّ تاريخ الولادة

فرُبَّ موعد زائف تغنّى به المرء بلا رشادِ

سَجِّلْ أيُّها الزّمنُ الأبله ، ميلاديَ الحقيقي

مَخاضُ إحداثاتٍ في الثّلاثين من حُزيران

بِصَيْفٍ غِيّثَ فيه القلبُ على غير اعتيادي

فهلْ في الورى مُدرِكٌ مثلي يوم الميلادِ ؟

مُعضلتي: كيف أُقْنعُ أهل الغَيّ و الغواية ؟

بأنّ عالمي من لحظة الانفجار تلك يبدأ

و مِن دفقة الكُمون الواعية بي و بالمُرادِ

و أنّ بزوغَ ذاك ” الكَارِيزْمِيّ” على ظَلامي

حَرَّرَ روحي و أعتق نفسي ، و أطلق عَناني

فأعاد التّشكيل و الصّياغة ، و من جديدٍ صَهَرني و أعاد تركيبي و سوّى كُلّ أبعادِي

كيف أُشيعُ بين أَناسِيِّي بلاغةِ الحِجاج ؟

كيف أُبلّغ حُجّتي بأنّه هو جَذوتي الباقية

للنّبضة الخالدة و لِارتجافات عِشْقِيَ البادِي

كيف أخبرهم أنّه هنا بين الوَتين والتّراقي؟

و أنّ طيفه قد نَبَتَ في رَفيف أهدابي ؟

و أنّه مَدَدي للذّاكرة، و في السّيرة امتدادِي

هُم لايُدركون أنّه حضارتي الأولى والعريقة تاريخُها ثمان وأربعون احتفائيّة غيرُ مُعلَنةٍ

وما قبلها زمن صِفْريٌّ لا من عُدّتي و عَتادي

وأنّه بَعْد يُتمٍ وَجيع أخصبُ أمْنٍ صادفني

و اقْتحمَ وُجودي و احتواني و شدّ أوتادِي

و يَشهدُ الله أنّه مِن أعاتي مناخات العاطفة اجتاحت عمْري و جميع تضاريس وجداني

و ستبقى جامحة ما اقترن نهاري بسوادِي

و أنّه أجمل طَرْزٍ خَليقٍ وشَّتْ به الأقدار

لياليَّ و أيّامي ، و غُضونَ حياتي و مَعادِي

والنّيّرانُ يشهدان والجَديدان أنّه قد حَبَاني

و خيرُ من جَذَلَ له طبعي و احتفى فؤادِي

و أُشهِد كُلَّ حَصَانٍ فيحاء و غادة عصماء

كيف صارت مَطالعُ وجهه صِنْوًا للوديعة ،

و في قلبيَ الجوهرَ السّامي وملاذِيَ الهادِي

و بمنآى عن الغرور ، أَشْهِد النُّورَ و الدّيجور

ما خَسَفَه أوانُ غَيْبَة ، أو نَسْيٍ لَدَيَّ و غَفْلة

فهو فِيّ ومَعِي والعُمْرُ على ما يُقضى للعبادِ

وهو مع النّبض والنَّفَسِ مُذْ وقع به شُعاعي

فتصافحت فينا العُيون قبل هاتيك الأيادِي

و أَستشهِدُ ريحَ الصَّبا ، و الغيثَ و الرَّواء

أنّي بعد صَفِيِّنا المُرسل و بالصَّحِيف المُنْزَل

ما اصْطفيت أحدا قبله مُطلقا لإلْفٍ وَ وِدادِ

حتى صار كالماء و الهواء، و الطّلّ و النَّدَى

و منتهى الأفْق و المدى و الأثير و الصّدى

و المَيسَمَ الّذي اكتمل ما اتّصلت آمادٌ بآبادِ

وأقسمتُ بصبري حتّى رأيت تجاعيدَ دهري

أنّني قد شَهِدتُ يوم اِلتقينا مِيلاديَ الثّاني

و ما يفتأُ مُذْ تلك الأحايين حُبّي شُواظًا

و رَهْنَ أصفادي ، حبيسا مُعَنَّى تحت الرّمادِ

و ما النَّظم و الشّعرُ هذا بالهَذَيان سُقنا إليه

لكنّها آخر الأنفاس إليه ساعية حتّى النّفادِ

فلا طابَ قَطُّ للعواذل و العُذّال عَيْشٌ

و لا لذوي القِلَى و الأعادي و كلّ حُسّادي

فأعوذ بالله فَهُم في وادٍ و أنا في وادِي

بقلم الأستاذ

الشّاذلي دمّق