كيف رسمت سعاد الشهيبي ذاكرتها التونسية

أجنحة من ألوان وشعر

كيف رسمت سعاد الشهيبي ذاكرتها التونسية

 

بقلم : طارق الأسمر

 

 

في تونس الخضراء، حيث يمتزج عبق البحر المتوسط بألوان أزقّتها العتيقة، لم تكن سعاد الشهيبي مجرد طفلة تتأمل الجمال من حولها، بل كانت روحًا تتنفسه وتسعى لإعادة صياغته عبر شغف فطري يتأجج في داخله السر. كانت الحكاية تبدأ كلما وقعت عيناها على تماوج الضوء والظل، فتساءلت كيف للقصة أن تُحكى دون كلام، وكيف للفكرة أن تجد جدارًا تُسند عليه خيالها.

 

فشُغفها بالمعرفة قادها إلى أروقة المركز الثقافي الإيطالي، هناك حيث صقلت موهبتها وحوّلت الشغف إلى أدوات تمسك بها بثقة. تعلمت كيف تستنطق الألوان، وتفهم لغة المساحات، وتمنح الفرشاة صوتًا يهمس للمتلقي قبل أن يخاطب بصره. وما إن أطلت تسعينيات القرن الماضي، حتى كانت الساحة الثقافية على موعد مع انطلاقة أجنحتها؛ رفرفت هذه الفراشة التونسية في سماء الفن التشكيلي، متجاوزةً الحدود المحلية لتشارك في معارض فردية وجماعية غطت صالات العرض من تونس إلى باريس وصولًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حاملةً معها الهوية والحرية في ضربة كائنة بين الحلم والواقع.

 

كما لم تكن لوحات سعاد مجرد مزيج عابر من الصباغ على القماش، بل كانت قصائد مرئية تُنسج بفلسفة وعمق. هذا التميز المتفرد لم يمر دون تكريم؛ إذ تُوّج مسارها الإبداعي بنيلها الميدالية الذهبية من رئيس الجمهورية التونسية في الخيمة الإبداعية عام 1999، ليكون اعترافًا ناصعًا بما تقدمه للمشهد الفني. غير أن الفن لدى سعاد الشهيبي لم يكن يومًا اعتزالًا في برج عاجي، بل كان رسالة مجتمعية وجسرًا تتواصل عبره مع بيئتها. أخذت بيد الصغار والشباب، وغمرت أروقة “دار الثقافة ابن رشيق” و”دار الشباب المغاربية” بالورش الفنية، زارعةً شغف الألوان والجمال في أوردة الأجيال الصاعدة.

 

وكما يفيض النهر حين يتشبع بالمطر، فاضت روح سعاد أدبًا وشعرًا؛ فلم تستطع الفرشاة وحدها استيعاب عوالمها الداخلية. أمسكت بالقلم إلى جانب اللون، لتهدي الساحة الأدبية ديوانها الشعري البديع “امرأة الألوان”، الذي حظي بمقدمة واستحسان من الأديب والناقد المسرحي الكبير عز الدين المدني، مؤكدًا على التناغم الساحر بين الشاعرة والرسامة في كتاب واحد.

 

واليوم، تواصل هذه القامة التونسية كتابة حكايتها بأسلوب آخر يُحيك التراث الإنساني؛ حيث تتولى إدارة “مهرجان الكسكسي المغاربي”، محولةً هذا الحدث إلى مساحة للتبادل الثقافي الجميل، يصوغ من الذاكرة والرمز نسيجًا يجمع شعوب المغرب الكبير حول مائدة واحدة من المحبة والتاريخ المشترك. إن سعاد الشهيبي ليست مجرد فنانة حصدت الجوائز وخلدت اسمها في السجلات، بل هي تجربة حياة وإرثٌ حيّ يعزف أثره الممتد بين ضربة فرشاة وقافية شعر.

رفعت للتصميم