بعد ثلاثة أيام من الصمت

بعد ثلاثة أيام من الصمت

 

ثلاثة أيام غبتُ.

ليست غيبة اختيار، ولا هروباً من ساحة.

عطلٌ فني أغلق الباب، فاضطررت للوقوف خارجه.

 

وفي الخارج تعلمت شيئاً:

أن الضجيج يرتفع حين يغيب الصوت العاقل.

وأن الفراغ لا يبقى فراغاً… يملأه من لا يملك ما يقول.

 

خلال هذه الأيام الثلاثة، لم أكن غائباً تماماً.

كنت أقرأ بصمت.

أرى الكلمات تُستهلك، والمعاني تُستنسخ، والمشاعر تُعاد تدويرها.

رأيت من يكتب ليُكتب له أحسنت .

ورأيت من يصرخ ليُقال عنه موجود .

 

فأدركت أن العطل لم يكن في صفحتي فقط.

كان عطلاً أكبر… في ميزان الكلمة.

 

وقفة وفاء

 

وقبل أن أبدأ، يجب أن أقف.

أقف احتراماً لكل رسالة وصلتني، ولكل وينك سُئلت، ولكل قلب سأل بصدق.

شكراً لمن لم يعتبر غيابي تجاهلاً .

شكراً لمن قال: أكيد في حاجة .

شكراً لمن تذكر أن خلف الشاشة إنساناً.

وجودكم هو الدليل أن الكلمة لسه بتعمل بيوت، وبتعمل عِشرة.

لولاكم، لكان العطل مجرد عطل.

وبكم، صار الغياب درساً في معنى الأهل .

 

أيها الأصدقاء،

أنا لا أعود لأقول آسف على الغياب .

الغياب أحياناً ضرورة.

ضرورة كي نراجع ما كتبنا، وكي نسأل : هل كنا نكتب للناس ؟ أم كنا نكتب مع الناس؟

 

أعود اليوم لا بحماس البدايات، ولا بمرارة النهايات.

أعود بذاكرة الأيام الثلاثة التي علمتني أن الحضور ليس عدد منشورات.

الحضور هو أن تترك أثراً حين تغيب.

 

لذلك لن أعدكم بالكثرة.

سأعدكم بالعمق.

لن أعدكم بالسرعة.

سأعدكم بالصدق.

ولن أعدكم بأن أرضي الجميع.

سأعدكم بأن أقول ما أراه حقاً، حتى لو تأخر قوله ثلاثة أيام.

 

فقد فهمت متأخراً أن الأدب ليس سباقاً.

الأدب وقفة.

وقفة أمام المرآة نسأل فيها : هل هذه الجملة تليق بي ؟

وهل هذا الحرف يستحق أن يُقرأ ؟

 

ثلاثة أيام سقطت فيها الصفحة،

ولكنها لم تسقط الكلمة.

لأن الكلمة التي تُكتب من الوجع لا تحتاج سيرفراً لتحيا.

تحتاج فقط قلباً يصدقها.

 

عدتُ.

عدتُ لأكمل ما بدأناه سوياً :

حواراً، لا مناظرة.

نصاً، لا ضجيجاً.

سؤالاً، لا ادعاء.

 

فأهلاً بي في بيتي…

وأهلاً بكم في كلماتي القادمة.

 

طارق عبدالرحمن محمد

ود الفكى

 

 

رفعت للتصميم