المقالات الانتربولوجية

بقلم : ا.د حمام محمد..

حين يتوحّد الجزائريون:

قراءة أنثروبولوجية في التلاحم الشعبي زمن الأزمات…شكرا لشعبنا العظيم.

تحركت الشعوب منذ القدم لمساندة بعضها بعضًا، ولعلاج أمر من الأمور التي لا يستطيع الفرد أن يواجهها بمفرده، وكان التعاون في بداياته محدودًا تفرضه الحاجة وطبيعة الجماعة، وليس كل شخص متعاونًا أو مهيأً لهذه الصفة الاجتماعية التي يفترض أن ترتقي بالإنسان إلى تحقيق السلم داخل الجماعة، ثم داخل المجتمع الإنساني بصورة أوسع.

والمتأمل أنثروبولوجيًا في تاريخ الجزائر القديم والمعاصر، يجد أن ظاهرة التلاحم والتآزر حاضرة بصورة لافتة، ولا أريد أن أعظم كثيرًا في تفسير هذه الصيغة التعاونية، لأنها في جانب كبير منها نابعة من نفوس آمنت بالوطن وتاريخه، وضربت أمثلة كثيرة في الإخلاص له، لكن المتابعة الأنثروبولوجية تجعلنا نرى في هذا السلوك أكثر من مجرد مساعدة عابرة؛ إنه تعبير عن ثقافة اجتماعية متوارثة، وعن شعور بأن الفرد لا يعيش وحده، وإنما يعيش داخل جماعة لها ذاكرة ومصير مشترك.

وهنا نفهم شيئًا من معنى الجزائري الذي تسري في دمه، كما يقال، الأخوة والغيرة على الجزائر برمتها، حتى في أحلك الظروف. فالأزمات التي مرت بها الجزائر، على اختلاف طبيعتها، كشفت في كثير من الأحيان أن الجزائري يمكن أن يشعر بأن ما يصيب أخاه في منطقة أخرى يعنيه هو أيضًا، حتى وإن لم يعرفه، ولم تجمعه به قرابة مباشرة.وهذا ما يمكن أن نسميه في القراءة الأنثروبولوجية «القرابة الرمزية». فالقرابة ليست دائمًا قرابة دم، وإنما يمكن أن تنشأ قرابة أخرى يصنعها الانتماء والمصير والذاكرة. ولذلك يصبح الجزائري أخًا للجزائري الآخر، ليس لأنه يعرفه أو ينتمي إليه عائليًا، وإنما لأنه يشترك معه في وطن واحد، وفي ذاكرة واحدة، وفي إحساس واحد بالخطر عندما تقع المحنة.ومن هنا فإن التضامن لا يكون مجرد إعطاء مال أو طعام أو لباس أو تقديم خدمة، وإنما يصبح فعلًا رمزيًا يقول للآخر: لست وحدك. وهذه العبارة البسيطة تحمل في داخلها معنى اجتماعيًا كبيرًا، لأن الإنسان في وقت الأزمة يحتاج إلى أن يشعر بأن الجماعة لم تتخل عنه.

ولعل الأزمات والكوارث هي أكثر اللحظات التي تكشف حقيقة المجتمعات. ففي الأيام العادية قد يبدو المجتمع موزعًا بين مصالحه وأفراده ومناطقه، لكن عندما تقع الكارثة تتراجع كثير من هذه الفوارق، ويظهر شيء كان موجودًا في العمق ولم يكن ظاهرًا في الحياة اليومية.وهنا يمكن أن نفهم التلاحم الشعبي حول أزمات الحرائق التي طالت غاباتنا ومناطقنا وأدت إلى وفاة جزائريين، أرواحهم غالية، والجزائر أغلى من الجميع. ففي وسط الحزن على الفاقدين والمفقودين والموتى، يظهر فعل آخر لا يقل أهمية عن الحزن نفسه، وهو فعل التعاون والتآزر والتضحية.

والمثير في هذه الظاهرة أن التضامن لا يبقى محصورًا في المكان الذي وقعت فيه الكارثة، وإنما ينتقل من منطقة إلى أخرى، وكأن الجغرافيا تتراجع أمام الانتماء. فالذي يعيش في منطقة بعيدة يشعر أن النار التي اشتعلت في منطقة أخرى قد مست جزءًا منه، ولذلك يتحرك نحوها، بالمال أو بالعمل أو بالمساعدة أو حتى بمجرد الحضور.

ان هذا النوع من السلوك يمكن أن نفهمه أيضًا من خلال فكرة «التبادل الاجتماعي». فالإنسان لا يقدم دائمًا مساعدته لأنه ينتظر مقابلًا مباشرًا، وإنما لأنه يعيش داخل منظومة اجتماعية تقول له إن الجماعة تقف مع أفرادها، وأن من يعطي اليوم قد يحتاج غدًا إلى من يعطيه. وهكذا يصبح التضامن نوعًا من الدين الاجتماعي والأخلاقي الذي لا يُكتب في دفاتر، لكنه محفوظ في الذاكرة.ولذلك فإن الجزائري عندما يتحرك في اتجاه منطقة منكوبة لا يحمل معه المساعدة فقط، وإنما يحمل شيئًا من هذا الرصيد الاجتماعي المتراكم عبر الزمن. وربما لهذا السبب تبدو بعض صور التضامن أكبر من قيمتها المادية؛ لأن قيمة الفعل ليست فيما يحمله من مال فقط، وإنما فيما يحمله من معنى.

وفي هذا السياق تأتي السرديات الإعلامية التي نراها اليوم في الصور والفيديوهات، وهي توثق القوافل المتوجهة إلى جيجل الشامخة وغيرها من المناطق التي مستها الحرائق. إن منظر القوافل وحده يمكن أن يزلزل روح الحماسة داخليًا، ويفجر الرغبة في التوجه إلى الركب، بوسيلة أو بدونها، من أجل تقديم تضحية أو مساهمة أو جهد لإعادة الأمل والفرحة.

لم تعد الصورة مجرد صورة إعلامية، وإنما أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية. فالصورة التي توثق قافلة تضامن، أو مواطنًا يقدم المساعدة، أو مجموعة من الشباب تعمل على إزالة آثار الحريق، لا تنقل لنا ما حدث فقط، وإنما تحفظ لنا كيف تصرف المجتمع عندما واجه المحنة.ومن هذه الزاوية يصبح الإعلام شريكًا في صناعة الذاكرة الاجتماعية، لأنه لا يكتفي بإخبار الناس بوقوع الكارثة، وإنما يقدم لهم أيضًا صورًا عن كيفية استجابة المجتمع لها. وقد تكون هذه الصور، مع مرور الوقت، جزءًا من الذاكرة التي يستعيدها المجتمع عندما يتحدث عن أوقات المحن والتضامن.

ولعل ما قام به أحد الأحرار الجزائريين من التعهد بإعادة ترميم البناءات المحترقة لمواطنين في جيجل، يبقى من الأفعال التي يصعب اختزالها في كلمة «مساعدة». فالرجل لم يقدم مالًا فقط، وإنما تعهد بإعادة شيء تهدم، وهذا في حد ذاته فعل رمزي؛ لأنه يقول للمتضرر إن ما تهدم يمكن أن يبنى من جديد، وإن فقدان البيت لا يعني فقدان السند الاجتماعي.و أهم ما تكشفه لنا الأنثروبولوجيا في هذا كله أن المجتمع لا يعرف فقط بما يقوله عن نفسه، وإنما يعرف أيضًا بما يفعله عندما يتعرض أحد أفراده للخطر. ففي لحظة المحنة تتكشف الروابط التي قد لا نراها في الحياة اليومية، وتظهر حقيقة الانتماء بصورة أكثر وضوحًا.

في النهاية ليست قصة قافلة واحدة، ولا قصة مواطن واحد، ولا صورة عابرة في وسيلة إعلامية، وإنما هي صورة لمجتمع يستعيد في لحظة الخطر معنى الأخوة، ويثبت أن التضامن يمكن أن يتحول من قيمة أخلاقية إلى ممارسة اجتماعية، ومن ممارسة اجتماعية إلى ذاكرة جماعية.يعبر عنها بالصيغة التالية بل تعبرعن صورة من صور الأخوة الجزائرية التي تظهر بأوضح معانيها عندما

رفعت للتصميم